إعادة تشكيل التوازن الدولي في مواجهة المشروع الأميركي – الإسرائيلي
الصين: منهجيّة الكسر والاحتواء

في لحظات التحول الكبرى في التاريخ، لا تُقاس الحروب فقط بعدد الصواريخ التي تُطلق، بل بقدرتها على إعادة تعريف موازين القوة ومعاني السيادة في العالم. الحرب الدائرة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، لم تعد مجرد مواجهة إقليمية، بل تحوّلت إلى اختبار حاسم لشكل النظام الدولي القادم. وفي قلب هذا التحول، تبرز الصين لا كقوة بعيدة تراقب، بل كفاعل صاعد يعيد رسم حدود الاشتباك -دبلوماسياً، اقتصادياً، واستراتيجياً- من دون أن ينزلق بالضرورة إلى ساحة القتال المباشر.
لا يُختزل السؤال فيما إذا كانت بكين “تدعم” طهران، بل يتجاوز ذلك إلى ما إذا كان هذا الانخراط الصيني -بكل تعقيداته- يُسهم في كسر احتكار القوة الذي فرضته الولايات المتحدة وحلفاؤها على المنطقة لعقود. فالصراع القائم ليس فقط على النفوذ، بل على حق الشعوب في امتلاك قرارها السياسي، وعلى إمكانية نشوء توازن دولي يحدّ من قدرة أي قوة منفردة على فرض إرادتها بالقوة العسكرية. وهنا تحديداً، يكتسب الحضور الصيني دلالته الأعمق: ليس بوصفه حليفاً بديلاً، بل كعامل يُربك معادلات الهيمنة، ويفتح المجال أمام قراءة جديدة لمستقبل الصراع في المنطقة والعالم.
بالتأكيد. بما أنّ التاريخ السياسي والعسكري لهذا الملف متحرّك جداً، فمن المهم توضيح نقطة أولاً: حتى 21 نيسان/أبريل 2026 لا تشير المعطيات المتاحة إلى تدخل عسكري صيني مباشر إلى جانب إيران ضد إسرائيل والولايات المتحدة، بل إلى انخراط صيني دبلوماسي، اقتصادي، استراتيجي: بكين أدانت الضربات الأميركية-الإسرائيلية على إيران، دعت إلى وقف فوري للعمليات العسكرية، دعمت ما سمّته حماية سيادة إيران، وشاركت في مبادرات وساطة، لكنها في الوقت نفسه ضغطت أيضاً لاحتواء التصعيد وحماية الملاحة والطاقة، من دون أن تنتقل إلى حالة الحرب المباشرة. لذلك فالمقال هنا يبني تحليله على دور صيني متقدم، ولكن غير قتالي حتى الآن، مع استشراف ما يعنيه أي انتقال صيني لاحق إلى مستوى أعلى من الانخراط.
في الحروب الكبرى لا تكفي متابعة الصواريخ والطائرات لفهم المشهد. ما يحسم أحياناً ليس الضربة المباشرة، بل موقع كل قوة في البنية الدولية: من يملك الطاقة؟ من يضبط الممرات البحرية؟ من يتحكم بالتمويل والعقوبات والتكنولوجيا؟ ومن يستطيع أن يحوّل المعركة من ساحة عسكرية إلى أزمة نظام عالمي؟ من هذه الزاوية، لا يمكن النظر إلى الصين بوصفها مجرد طرف بعيد يراقب الحرب بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، بل بوصفها قوة كبرى تقرأ هذا الاشتباك باعتباره اختباراً مباشراً لشكل العالم القادم: هل يبقى الشرق الأوسط مجالاً أميركياً مغلقاً يُدار بالقوة العسكرية الغربية، أم يصبح جزءاً من نظام دولي متعدد الأقطاب تتراجع فيه القدرة الأميركية على الانفراد بالحسم؟ هذا هو المدخل الحقيقي لفهم معنى “التدخل الصيني”.
لا يبدأ التحليل من سؤال: هل الصين “حليفة” لإيران؟ بل من سؤال أعمق: ما الذي يفعله أي انخراط صيني بتوازن في الشرق الأوسط وفضاءه الإقليمي كاملاً؟ فالقضية هنا ليست مجرد اصطفاف دبلوماسي بين دولتين، بل صراع على بنية الإقليم نفسها. المشروع الأميركي-الإسرائيلي، تاريخياً، يقوم على منع تشكّل كتلة إقليمية متماسكة تمتلك الإرادة والسيادة والقدرة على فرض قواعدها، بينما يخلق صعود الصين، حتى من دون حرب مباشرة، مجالاً موضوعياً لكسر هذا الاحتكار. لكن هذا الكسر لا يجب أن يُقرأ بعين رومانسية؛ فالصين ليست جمعية تحرير، بل دولة عظمى تحكمها المصالح، وتدخلها إن حصل أوسع من الدبلوماسية سيكون محكوماً بحسابات التجارة والطاقة والممرات البحرية والتنافس مع واشنطن، لا بعواطف أيديولوجية.
الوقائع المتاحة تُظهر أن بكين تبنّت خطاباً صريحاً ضد الضربات الأميركية–الإسرائيلية على إيران. وزارة الخارجية الصينية وصفت هذه الضربات بأنها انتهاك للقانون الدولي، وأكدت رفض “تغيير الأنظمة” بالقوة، كما أعلنت دعمها لإيران في الدفاع عن سيادتها وأمنها ووحدة أراضيها، مع الدعوة في الوقت نفسه إلى وقف العمليات العسكرية والعودة إلى التفاوض. وفي مجلس الأمن، رفضت الصين منح غطاء دولي لتوسيع استخدام القوة في أزمة مضيق هرمز، واعتبرت أن أصل تعطيل الملاحة هو “الأعمال العسكرية غير القانونية” التي قامت بها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. هذا يعني أن بكين ترى في الحرب، في بعدها القانوني والسياسي، مثالاً على فائض الهيمنة الأميركية لا على مجرد نزاع إقليمي محدود.

لكن الوجه الآخر للصورة لا يقل أهمية: الصين لا تريد انفجاراً مفتوحاً. فاقتصادها مرتبط بشدة بطاقة الشرق الأوسط. في 2025 جاء نحو نصف واردات الصين من النفط والوقود والغاز المسال وغاز البترول المسال من الشرق الأوسط، وكان أكثر من نصف وارداتها النفطية تقريباً من هذه المنطقة، قبل أن تؤدي الحرب إلى هبوط حاد في هذه الحصة. كما أن الصين اشترت في 2025 أكثر من 80% من النفط الإيراني المنقول بحراً، بمتوسط يقارب 1.38 مليون برميل يومياً، أي أن إيران بالنسبة إلى الصين ليست مجرد شريك سياسي، بل عقدة طاقة حيوية وسوق خصومات نفطية مهمة. لذلك فإن بكين معنية بحماية إيران من السقوط الكامل، لكنها معنية بالقدر نفسه بمنع إيران من جرّ المنطقة إلى فوضى طويلة تخنق المضائق وتهزّ أسواق الطاقة التي يعتمد عليها الاقتصاد الصيني.
هنا يظهر جوهر السياسة الصينية: لا تريد هزيمة إيران، ولا تريد نصراً إيرانياً فوضوياً يطيح باستقرار الخليج، ولا تريد انتصاراً أميركياً-إسرائيلياً يعيد تثبيت الأحادية الغربية بقوة النار. إنّها تريد شيئاً ثالثاً: حرباً تُستثمر سياسياً لانتزاع شرعية دولية مضادة للهيمنة الأميركية، ثم تُضبط إيقاعياً بما يمنع انهيار النظام التجاري والطاقة العالمي الذي تستفيد منه الصين نفسها. ولهذا بدت الدبلوماسية الصينية، وفق تقارير غربية، أكثر نشاطاً من حيث المبادرات والخطاب والاتصالات، لكنها بقيت محسوبة ومحكومة بسقف عدم الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن.
من وجهة نظرنا، الصراع لا يُقرأ باعتباره خلافاً بين “محورين” فقط، بل باعتباره صراعاً على من يملك تعريف السيادة في المنطقة. المشروع الصهيوني، محمياً بالقوة الأميركية، سعى دوماً إلى تحويل المنطقة إلى فسيفساء كيانات خائفة، متناحرة، مرتهنة، وغير قادرة على إنتاج مركز ثقل سياسي أو عسكري أو اقتصادي مستقل. لذلك فإن أي شرخ يصيب القدرة الأميركية على إدارة الحرب منفردة يكتسب معنى يتجاوز إيران نفسها. فحين تخرج الصين لتقول إن الضربات الأميركية–الإسرائيلية غير شرعية، وإن تغيير الأنظمة بالقوة مرفوض، فهي لا تنحاز بالضرورة إلى “العالم العربي” كما يتصور الوجدان التعبوي، لكنها تضعف، موضوعياً، ادعاء واشنطن وتل أبيب بأن من حقهما إعادة تشكيل الإقليم متى شاءتا. وهذا في ذاته مكسب بنيوي لأي رؤية قومية ترى أن تحرير الإرادة الإقليمية يبدأ بكسر الاحتكار الخارجي لمشروعية القوة.
غير أن رؤيتنا هذه لا يجوز أن تقع في خطأ استبدال التبعية بتبعية أخرى. فالصين ليست “أمّة بديلة” ولا مرجعية خلاص. هي قوة عالمية صاعدة، تنظر إلى إيران وإلى الخليج وإلى إسرائيل وإلى العالم العربي كله من منظار المصلحة الاستراتيجية. والدليل على ذلك أن بكين، رغم علاقتها الوثيقة بطهران، تحتفظ أيضاً بعلاقات تجارية أضخم كثيراً مع السعودية والإمارات؛ إذ سجّلت في 2025 نحو 108 مليارات دولار تجارة ثنائية مع السعودية، ومثلها تقريباً مع الإمارات، مقابل نحو 41.2 مليار دولار فقط مع إيران إذا احتُسبت الواردات النفطية غير المعلنة. أي أن بكين لا تبني سياساتها على الوفاء لمحور، بل على إدارة توازنات واسعة، وهذا يفرض على أي قراءة قومية جادة أن تتعامل معها كقوة نافعة ظرفياً، لا كحامل عضوي لمشروع النهضة القومية.
وهنا نسأل: لماذا لن تتدخل الصين عسكرياً بسهولة؟، السبب الأول هو أن الصين تعرف أن جوهر قوتها حتى الآن ليس في إسقاط حاملات الطائرات الأميركية من السماء، بل في إنهاك خصمها على مستوى الزمن: الاقتصاد، الصناعة، سلاسل التوريد، التكنولوجيا، والتمدد الدبلوماسي. أي دخول عسكري مباشر في حرب إيران ضد إسرائيل وأميركا سيعني نقل الصراع من مجال تستفيد فيه بكين من استنزاف واشنطن إلى مجال قد تُستدرج فيه إلى مواجهة قبل أن تختار توقيتها وشروطها. ولهذا فإن السلوك الصيني الراهن يوحي بأنها تريد تعظيم كلفة الحرب على واشنطن من دون أن تصبح هي نفسها طرفاً قتالياً فيها.
السبب الثاني يتعلق بالطاقة. صحيح أن بكين دعمت إيران سياسياً، لكنها أيضاً متضررة بشدة من أي شلل طويل في مضيق هرمز. فالصراع الحالي خفّض بالفعل واردات الصين من الطاقة الشرق أوسطية، وأجبرها على تعويض جزء من النقص من روسيا والبرازيل ومناطق أخرى، من دون نجاح كامل. هذا يعني أن الصين قد تقبل بتصعيد مدروس يضعف واشنطن، لكنها لا تقبل عادةً بحرب شاملة طويلة تسحق شرايين التجارة والطاقة التي يقوم عليها نموها. لذلك تفضّل “التدخل من أجل وقف التدهور” لا “التدخل من أجل كسر التوازن عسكرياً”.
السبب الثالث هو أن بكين حريصة على الظهور كقوة “مسؤولة” تدافع عن القانون الدولي، لا كقوة انقلابية تهدم النظام العالمي جملة واحدة. ولهذا كان خطابها مزدوجاً: إدانة واضحة للولايات المتحدة وإسرائيل، ودعوة واضحة أيضاً لإيران إلى التهدئة وحماية الملاحة وعدم توسيع الاستهداف.


هذه الازدواجية ليست تناقضاً عابراً، بل هي جوهر العقيدة الصينية الحالية في الشرق الأوسط: ربح النفوذ من دون احتلال عبء الحرب.
التدخل الصيني الواقعي، إذا توسّع، سيأخذ على الأرجح خمسة أشكال.
أولاً،التدخل الدبلوماسي الحامي: أي تثبيت رواية قانونية دولية تعتبر أن واشنطن وتل أبيب بدأتا الحرب، وأن إيران تملك حق الدفاع عن سيادتها ضمن ضوابط القانون الدولي. وهذا مهم لأنه ينزع من المعسكر الأميركي قدرة احتكار السردية العالمية، خاصة في الجنوب العالمي. الصين فعلت جزءاً من هذا بالفعل عبر مجلس الأمن وعبر تصريحات خارجيتها.
ثانياً،التدخل الاقتصادي–المالي: أي إبقاء شرايين الاقتصاد الإيراني مفتوحة جزئياً رغم العقوبات، سواء عبر النفط أو المقايضة أو ترتيبات ائتمانية غير مباشرة أو أدوات تسهيل لوجستي. العلاقات الصينية–الإيرانية بعيدة المدى، بما فيها اتفاق الشراكة الشاملة الموقّع عام 2021، تمنح هذا المسار أساساً سياسياً، حتى لو كان تنفيذ الاستثمارات أقل من الطموح بسبب العقوبات.
ثالثاً،التدخل التقني–الاستخباري غير المعلن: ليس بالضرورة على شكل سلاح مباشر، بل عبر تكنولوجيا مزدوجة الاستخدام، اتصالات، حماية سيبرانية، صور أقمار صناعية، ومساعدة على الصمود أمام العقوبات والاستهداف. لا توجد في المصادر التي راجعتها أدلة قاطعة على انتقال الصين الآن إلى تسليح مباشر لإيران، بل على العكس ظهرت تقارير عن نفي صيني لذلك، لكن من الناحية الاستراتيجية يبقى هذا النمط من الدعم هو الشكل الأكثر احتمالاً إن اختارت بكين رفع مستوى التورط من دون إعلان الحرب.
رابعاً،التدخل البحري السياسي: أي استخدام وزنها الدولي وربما حضورها البحري المحدود لحماية مبدأ حرية الملاحة ورفض تفويض أميركي مفتوح في هرمز. بكين رفضت بالفعل قراراً أممياً رأت أنه يضفي شرعية على توسيع استخدام القوة، وربطت أمن الملاحة بوقف الحرب لا بتفويض عسكري جديد. وهذا ينسجم مع سعيها إلى منع واشنطن من تحويل أمن المضيق إلى ذريعة لتكريس وجودها العسكري أكثر.
خامساً، التدخل الجيوسياسي طويل النفس: أي استثمار الحرب لتقريب دول الخليج أكثر من الصين، عبر إظهار الولايات المتحدة كقوة تجلب الفوضى لا الاستقرار. هذا المسار لا يمر عبر طهران وحدها، بل عبر إعادة صياغة صورة بكين كضامن ممكن للتوازن الإقليمي. بعض التحليلات الغربية ترى بالفعل أن الحرب تمنح الصين فرصة لتعزيز نفوذها الدبلوماسي والجيو-اقتصادي في الشرق الأوسط، حتى لو بقي تدخلها العملي محدوداً.
إذن، هل يفيد التدخل الصيني إيران؟ نعم، ولكن ضمن حدود. حيث يفيدها أولاً في منع العزلة الكاملة. فإيران التي تتعرض لضغط عسكري واقتصادي هائل تحتاج إلى قوة كبرى تقول إن إسقاطها أو إخضاعها بالقوة ليس أمراً مشروعاً. ويفيدها ثانياً اقتصادياً، لأن الصين كانت ولا تزال الرئة النفطية الأهم لطهران. ويفيدها ثالثاً في المفاوضات، لأن مجرد وجود بكين كفاعل ضامن أو كمركز ثقل دولي يمنح طهران هامش مناورة أوسع في مواجهة الإملاءات الأميركية.
لكن هذا الدعم نفسه يبقى محدوداً. فالصين لن تحارب بالنيابة عن إيران، ولن تضحي بكل مصالحها الخليجية والعالمية من أجل طهران، ولن تسمح غالباً بأن تتحول الحرب إلى نموذج يهدد بنية السوق العالمية على نحو خارج السيطرة. لذلك، لا يجوز إساءة فهم الدعم الصيني بوصفه انتقالاً إلى جبهة تحرير كبرى؛ إنه بالأحرى كسرٌ جزئي لاحتكار العدو الأميركي–الإسرائيلي للميدان الدولي، لا انقلاب كامل في موازين القوى.
وهذا يقودنا إلى السؤال المهم؛ ماذا يعني ذلك كله لسورية الطبيعية والمشرق؟، المسألة المركزية هنا أن أي تراجع في قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على فرض إرادتهما منفردتين يفتح، نظرياً، هامشاً أوسع أمام قوى المنطقة لإعادة صياغة تموضعها. فإذا كان المشروع الصهيوني يقوم على تفكيك المنطقة إلى ساحات أمنية متنازعة، فإن تعدد الأقطاب يربك هذا المشروع ويكسر بساطته. لكن هذا لا يتحول تلقائياً إلى نهضة قومية. فالفراغ الذي يخلقه ضعف الهيمنة الغربية يمكن أن تملأه قوى إقليمية متنافسة، أو أن يتحول إلى فوضى مزمنة، أو إلى إعادة توزيع نفوذ بين قوى كبرى. من هنا، فإن الرؤية الجادة لا تكتفي بالترحيب بأي صعود صيني يحدّ من التفرد الأميركي، بل تسأل: هل يتيح ذلك بناء قوة ذاتية في الأمة، أم يكتفي بنقلنا من مجال الهيمنة الواحدة إلى سوق (الهيمنات)المتعددة؟
هذا السؤال حاسم، لأن القضية القومية لا تُحلّ بأن تستبدل واشنطن ببكين، بل بأن تستعيد الأمة قدرتها على الفعل. والتدخل الصيني، مهما تعاظم، لا يمنح هذه القدرة تلقائياً. قد يمنح وقتاً، وهامشاً، وتناقضات دولية قابلة للاستثمار. لكنه لا يبني وحدة المصلحة القومية، ولا يعيد دمج الجغرافيا المشرقية، ولا يحسم مسألة الصراع مع الكيان الصهيوني من داخلها. هذه مهام لا يؤديها سوى مشروع قومي منظم، يعرف كيف يستخدم التحولات الدولية من دون أن يذوب فيها.

هذا استنتاج سياسي تحليلي أستخلصه من الوقائع السابقة، لا من تصريح صيني مباشر.
إذن؛ تدخل الصين في الحرب إلى جانب إيران، بصيغته الواقعية الراهنة، ليس تدخلاً عسكرياً مباشراً، بل تدخّل كسرٍ واحتواء: كسرٌ لاحتكار أميركا وإسرائيل للسردية والشرعية والضغط الدولي، واحتواءٌ للتصعيد كي لا يتحول الشرق الأوسط إلى محرقة مفتوحة تضر بالمصالح الصينية نفسها. وهذا التدخل مفيد موضوعياً لأنه يضعف التفرد الغربي ويمنع تحويل المنطقة إلى مسرح تأديب استعماري بلا رادع. لكنه يبقى قاصراً إن جرى التعامل معه كبديل عن الفعل القومي الذاتي.
الصين قد تمنح إيران سنداً، وقد تمنح الإقليم فسحة تنفّس، وقد تربك المشروع الأميركي-الإسرائيلي، لكنها لا تحمل مشروع نهضة الأمة. لذلك فإن القراءة القومية الاجتماعية الأعمق لا تسأل فقط: هل تتدخل الصين؟ بل تسأل: كيف نحول تصدّع النظام الأحادي إلى فرصة لبناء قوة الأمة نفسها؟ هنا تبدأ السياسة الحقيقية، وهنا فقط يتحول الحدث الدولي من تطور خارجي إلى لحظة تاريخية قابلة للاستثمار القومي.

حنان عابد
باحثة في شؤون المشرق