في زمنٍ كانت فيه صورة “الجيش الذي لا يُقهر” تُضخّ يومياً عبر منصات الإعلام الغربي، كحقيقة ثابتة لا تقبل النقاش، جاءت التطورات العسكرية الأخيرة لتفتح فجوة عميقة في جدار هذه السردية. لم يعد الأمر مجرد مواجهة عسكرية عابرة بين إيران والكيان الصهيوني، بل تحوّل إلى لحظة كاشفة، لحظة تعرية شاملة لبنية القوة ذاتها: كيف تُبنى، كيف تُدار، وكيف تنهار.
في هذا السياق، يقدّم ضابط الاستخبارات السابق في مشاة البحرية الأمريكية، سكوت ريتر، قراءة صادمة تتجاوز التحليل التقليدي، لتدخل في عمق “الميكانيكا الحقيقية” للحروب الحديثة. هو لا يرى ما جرى كاشتباك، بل كعملية تفكيك ممنهجة لأسطورة عسكرية صُنعت بعناية على مدى عقود. وما يطرحه ليس مجرد رأي، بل تحدٍ مباشر لكل البنية الفكرية التي حكمت فهم موازين القوى في منطقتنا.
أولاً: اللوجستيات… الشريان الخفي الذي يحدد مصير الحروب
بعيداً عن الضجيج الإعلامي الذي يركّز على الطائرات والصواريخ والتقنيات المتطورة، يعيد ريتر النقاش إلى جوهره الحقيقي: اللوجستيات. هذا المفهوم الذي غالباً ما يُهمَّش في الخطاب العام، هو في الحقيقة العمود الفقري لأي جيش حديث.
يتحدث ريتر عن ما يسميه “نهر الإمدادات” (The River of Material)، وهو التعبير الذي يختصر فلسفة كاملة في إدارة الحروب. فالجيوش لا تقاتل بالسلاح فقط، بل تتغذى على تدفق مستمر من الوقود والذخيرة والمواد الأساسية. وعندما يُقطع هذا التدفق، لا تعود القوة العسكرية سوى هيكلٍ مسلح بلا قدرة على الفعل.
في هذا الإطار، يرى ريتر أن إيران لم تستهدف القوات الإسرائيلية بشكل مباشر بقدر ما استهدفت شرايينها الحيوية. الضربات لم تكن عشوائية، بل مركزة على سلاسل التوريد، على نقاط الربط، على العقد اللوجستية التي تضمن استمرارية العمليات.
النتيجة، كما يصفها، ليست مجرد إضعاف، بل شلل شبه كامل. وحدات عسكرية تمتلك أحدث الأسلحة، لكنها عاجزة عن التحرك، عن التقدم، بل حتى عن الانسحاب المنظم. هنا يتحول التفوق التكنولوجي إلى عبء، لأن المنظومة التي تدعمه قد تعطلت.
ثانياً: الاستراتيجية الإيرانية… من المواجهة إلى “الإطفاء”
واحدة من أكثر العبارات إثارة في تحليل ريتر هي قوله إن “إيران لم تقاتل إسرائيل، بل قامت بإطفائها”. هذا التعبير ليس مجازاً لغوياً، بل توصيف دقيق لنمط جديد من الحرب.
المقصود بـ”الإطفاء” هنا هو تعطيل المنظومة ككل، بدلاً من استنزافها في معركة مباشرة. أي نقل الصراع من ساحة الاشتباك إلى بنية النظام نفسه. ووفقاً لريتر، فإن ما قامت به إيران يمثل نموذجاً متقدماً من الحرب المركّبة التي تجمع بين الدقة العالية والتخطيط متعدد الطبقات.
يصف الحملة بأنها ذات “دقة جراحية”، حيث تم اختيار الأهداف بعناية فائقة، بما يضمن تحقيق أقصى تأثير بأقل جهد. لم تكن هناك عشوائية، بل تنسيق عالي المستوى بين مختلف عناصر العملية، ما يعكس تفوقاً تنظيمياً واضحاً.
من أخطر ما يطرحه ريتر هو توصيفه لحالة العجز التي تعيشها واشنطن وتل أبيب أمام هذا التحول. فالقوة العسكرية، مهما بلغت، ليست مطلقة. وهي تصبح محدودة عندما تتغير قواعد اللعبة.
يشير التحليل إلى وضع حرج يطال ما يقارب 120 ألف جندي، وفق التوصيف المتداول، يواجهون نقصاً في الوقود والطعام والذخيرة نتيجة استهداف منظومات الإمداد. هذه الصورة، إن صحت، تعني أن الأزمة ليست تكتيكية، بل بنيوية.
أما الولايات المتحدة، التي اعتادت فرض إيقاع الصراعات، فتجد نفسها – بحسب ريتر – في موقع المراقب المتردد. ليس بسبب ضعفها العسكري، بل بسبب إدراكها أن أي تدخل مباشر قد يفتح أبواباً لا يمكن إغلاقها.
هذا هو جوهر التحول: لم تعد الهيمنة تُقاس بحجم الترسانة، بل بمدى القدرة على حماية البنية التي تدير هذه الترسانة.
رابعاً: تفكيك الرواية الغربية… الإعلام كأداة هيمنة
لا يكتمل تحليل ريتر دون التوقف عند دور الإعلام. فهو يتهم وسائل الإعلام الغربية بأنها ليست مجرد ناقل للأحداث، بل شريك في صناعة الوهم.
على مدى أكثر من عشرين عاماً، تم بناء سردية متماسكة حول التفوق العسكري للكيان الصهيوني، باعتباره قوة لا تُهزم. هذه السردية لم تكن بريئة، بل جزءاً من منظومة أوسع تهدف إلى تثبيت موازين قوى معينة في الوعي العالمي.
لكن ما حدث، بحسب ريتر، يفرض إعادة نظر شاملة. لأن الاعتراف بحقيقة التغير يعني انهيار هذه السردية. وهو ما يفسر – من وجهة نظره – محاولات التعتيم أو التقليل من أهمية ما جرى.
الأمر هنا لا يتعلق بالإعلام فقط، بل بمؤسسات كاملة: كليات الحرب، مراكز الدراسات، ووزارات الدفاع، التي بنت استراتيجياتها على افتراضات باتت اليوم موضع شك.
خامساً: ولادة معادلة جديدة… من التفوق العسكري إلى الهندسة اللوجستية
هذه هي “الهندسة العسكرية اللوجستية” التي يتحدث عنها ريتر، والتي يرى أنها ستصبح محور التفكير الاستراتيجي في السنوات القادمة.
خاتمة: ما بعد سقوط الأسطورة
إن ما تكشفه هذه القراءة ليس مجرد تحول عسكري، بل لحظة تاريخية تفرض إعادة بناء الوعي. فالأمم التي تعيش على استهلاك السرديات الجاهزة تبقى أسيرة لها، أما تلك التي تجرؤ على تفكيكها، فهي التي تفتح لنفسها أفق الفعل.
سقوط الأسطورة لا يعني نهاية الصراع، بل بدايته في شكله الحقيقي. صراع لا مكان فيه للأوهام، ولا قيمة فيه للدعاية، بل تحكمه موازين دقيقة من المعرفة والتنظيم والإرادة.
من هنا، فإن التحدي لا يكمن فقط في فهم ما جرى، بل في استيعاب دروسه. لأن المستقبل لن يكون لمن يملك السلاح فقط، بل لمن يفهم كيف تُدار القوة… وكيف تُسقط.
د.نبيلة عفيف غصن
