آمال خليل قرية لبنانية تم اغتيالها عمدا
نقاط على الحروف/ ناصر قنديل
تشبه حكاية الاعلامية الشهيدة آمال خليل مع الجنوب والإعلام حكاية الاعلامي الشهيد علي شعيب، وقد تقاسما لعقود جغرافيا التغطية الاعلامية التي كان مسرحها القطاع الشرقي عند علي شعيب رغم تجواله على كل قطاعات الجنوب، والقطاع الأوسط مسرحها عند آمال خليل رغم كرمها بالتفقد المستمر لكل زوايا الجنوب وقراه، ومثلما كان الاحتلال يترصد تنقلات علي شعيب وينتظر لحظة الانقضاض عليه لقتله، كانت رحلة آمال الصحفية مخاطرة مستمرة بالتعرض للاغتيال والقتل، ومثلما كان قرار علي شعيب البقاء في الجنوب حتى الارتقاء شهيدا كان قرار آمال خليل الالتصاق بالأرض حتى التماهي بين الدم والتراب في رحلة الشهادة. الصحافيون الذاهبون الى الجنوب والعاملون فيه كانوا ينقسمون بين الالتحاق بعلي شعيب او آمال خليل، حيث يلقون صدرا رحبا يتسع لحب الجميع وخزان معلومات ودليل عمل يوضع في خدمة أي زميل أو زميلة، والمعنيون المتابعون لما يجري في الجنوب على مدار الساعة كان لهم أحد مرجعين، علي شعيب و آمال خليل، حيث الاتصال بأحدهما يكفي لمعرفة تفاصيل ما يجري في الجنوب واستيضاح تفاصيل جغرافيا المعارك وسيناريوهات الحرب وتفاصيل ما يجب معرفته عن كل قرية أو بلدة وأحيائها وناسها وعائلاتها، وكلما اتصل السؤال بقرية حدودية كانت المعلومات أشد وفرة وغزارة، وفي القرى التي غادرها أغلب سكانها، كان علي وكانت آمال من ساكنيها الجدد، يعرفهما الناس جيدا ويستضيفونهما في بيوتهم غالبا، وخلال ساعات كان علي وكانت آمال يصبحان خزان معلومات القرية وتفاصيل الجغرافيا والديمغرافيا والسياسة فيها موسوعة متنقلة لا تبخل بنقل المعرفة لكل سائل. آمال خليل تحولت الى قطعة من تراب الجنوب لا تغادره، وتلتصق بأرضه كأنها شجرة توت على بوابة الدار، أو شجرة صبار على سياج الحاكورة، تعشق أشجار التين والزيتون وتستظل بها غالبا من طائرات الاحتلال المسيرة التي كانت ترافق جولاتها الاعلامية غالبا، ترصدها وتوثق تنقلاتها، ربما بانتظار أمر عمليات بأن ساعة الاغتيال قد حانت، وهي لم يساورها شك بأن ساعة كهذه آتية، لكنها لم ترتبك ولم تتردد في قرار البقاء والإصرار على مواصلة مسيرة المهنة التي تحولت معها الى رسالة في الوطنية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، حتى صارت سيرتها وثيقة ادانة لأهل السلطة، وكثيرا كان ما تقدمه آمال خليل لسكان القرى، للأطفال وكبار السن والمرضى، ما لا يخطر ببال مسؤول تقديمه، وكثيرا ما كان الناس يرددون حكايات وحكايات عن هذه الأيقونة المتنقلة بين وديان وهضاب وقرى الجنوب بعشق ما بعده عشق، عشقها للأرض وعشق أهل الأرض لها. قبل شهور قليلة نظمت شبكة كلنا غزة كلنا فلسطين احتفالا تكريميا للاعلاميين، وبالطبع كان التركيز على الاعلام المقاوم، وبالتأكيد كان اسم علي شعيب و اسم آمال خليل في الطليعة، والملفت لكن البديهي أنني عندما اتصلت بعلي وآمال تلقيت جوابا واحدا، وأنا اعرف كم يعرفان عن تقديري ومحبتي لهما واعرف كم يكنان لي من محبة وتقدير، وجاء الجواب اعتزازا بالاختيار وشكرا على الالتفاتة، لكن مع الاعتذار والسبب واحد، انا لن اغادر الجنوب ولا أغادر في هذه الأيام حتى للعلاج من مرض أو للقيام بواجب عائلي، فلم اجد الكلمات للإصرار على الدعوة، وخرج الدعاء لهما تلقائيا فوجدتني اقول، الله يحميك، الله يحميكي، دير بالك على حالك وديري بالك على حالك. المخجل هو أن هناك من سوف يذهب اليوم لمصافحة القاتل تحت مسمى التفاوض، ودماء الشهداء قد جبلت بتراب الجنوب، ولا زال التراب طريا، والمخجل هو أن السلطة تعاملت مع قضية إنقاذ آمال خليل التي بقيت تحت الأنقاض في لحظات حياتها الأخيرة لساعات، وكأنها أقل من قضية إصلاح قسطل مياه، وبدلا من تستنفر دبلوماسيتها وترسل وحدات من الجيش تكفي لتحدي الاحتلال وتهدد بمقاطعة جلسة التفاوض، اكتفت بالاتصال بالصليب الأحمر الذي لم يترك شبابه وصباياه وسيلة لإنقاذ آمال إلا واستخدموها. تغادرنا اليوم آمال شهيدة عظيمة، وقبلها غادرنا علي شعيب في الموكب نفسه، بنيران غادرة استهدفت إعلاميين لا يحملون إلا الحبر والمذياع والكاميرا، والقتل العمد ثابت، فهل ما سوف تفعله السلطة غير تكرار الكلام عن سوف نتابع الأمر ولن نتهاون في ملاحقة الجريمة، ونقوم بإعداد الملفات اللازمة لاتخاذ التدابير المناسبة، الى أن يستهدف إعلامي آخر ويرتقي شهيدا ونسمع تكرار الكلام؟ لم ينتظر علي ولم تنتظر آمال أن ينصفهم أهل السلطة، يكفي أن الشعب ينظر اليهما أيقونات مضيئة، سوف نحمل صورهما يوم النصر العظيم الآتي بلا ريب، لأن شعبا فيه أمثال علي وآمال لن يهزم، سنحمل دمهما ودماء الشهداء ونمضي بألم وصبر على الأوجاع حتى تشرق شمس الحرية التي أضاء شعلتها الشهداء. آمال خليل قرية لبنانية تم هدم منازلها وجرف حجارتها، هي قرية لبنانية في اقصى الجنوب تم اغتيالها عمدا، حتى تماهت مع التراب بدمها تضيء شعلة الحرية.
