قتال القوات الإسرائيلية في غزة ولبنان

إمبراطورية “السيادة المخصخصة”:تفكيك بنية الحوكمة الرقمية في زمن الحروب… من غزة إلى الليطاني

د.نبيلة عفيف غصن

مقدمة: حين تتحول السيادة إلى خدمة مدفوعة
نعيش اليوم في لحظة تاريخية مفصلية لم يعد فيها “الاحتلال” يُقاس بعدد الجنود على الأرض، بل بقدرة جهة ما على التحكم بالبنية التحتية غير المرئية التي تنظّم الحياة نفسها: البيانات، الخوارزميات، وشبكات التمويل. لم تعد الدولة تُهزم فقط عندما تُخترق حدودها، بل عندما تُنزع عنها قدرتها على تعريف الواقع داخل تلك الحدود.
في هذا السياق، يبرز ما يُروَّج له تحت مسمى “مجلس السلام” (Board of Peace) كنموذج دالّ على تحوّل أعمق: انتقال من السيادة الوطنية إلى ما يمكن تسميته بـ “السيادة المخصخصة”—حيث تُدار الجغرافيا كما تُدار الشركات، وتُختزل السياسة في قرارات مجلس إدارة عابر للقارات.
تدعم أدبيات العلاقات الدولية هذا التحول، إذ تشير إلى صعود أنماط من “الاعتماد المتبادل المُسلّح” (Weaponized Interdependence)، حيث تتحول الشبكات الاقتصادية والتكنولوجية إلى أدوات نفوذ جيوسياسي (Farrell & Newman, 2019). لكن ما نشهده اليوم يتجاوز ذلك: نحن أمام إعادة تعريف جذرية لمفهوم السيادة ذاته.
ضمن هذا الإطار، لا يمكن قراءة ما يحدث في غزة أو جنوب لبنان كأحداث منفصلة، بل كحلقات في عملية أوسع لإعادة هندسة الفضاء السياسي والاقتصادي، حيث يصبح الدمار مقدمة لإعادة البناء وفق شروط جديدة لا تضع الإنسان في مركزها.

أولاً: التدمير كمرحلة تأسيسية لإعادة تشكيل الملكية
المرحلة الأولى من هذا النموذج لا تبدأ بإعادة الإعمار، بل بالتدمير. ليس التدمير هنا فعلاً عشوائياً أو نتيجة جانبية للحرب، بل يدخل ضمن ما تصفه الأدبيات بـ “رأسمالية الكوارث” (Klein, 2007)، حيث تُستخدم الصدمات الكبرى لإعادة هيكلة الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية.
في غزة، أدت موجات الدمار الواسع إلى تعقيد غير مسبوق في مسألة الملكية العقارية. تشير تقارير UN-Habitat (2024) إلى أن غياب السجلات الموثوقة يفتح الباب أمام إدخال حلول رقمية مثل البلوكشين لإعادة توثيق الملكيات. هذه الحلول، رغم طابعها التقني، تحمل أبعاداً سياسية عميقة: فهي تعيد تعريف من يملك الأرض، وكيف، وبأي شرعية.
هنا تكمن المفارقة الخطيرة: التدمير الذي يُفقد الناس حقوقهم المادية، يُستخدم لاحقاً لتبرير إدخال أنظمة جديدة تُعيد توزيع هذه الحقوق ضمن بنية رقمية قابلة للتحكم الخارجي.
في جنوب لبنان، ورغم اختلاف السياق، يمكن ملاحظة ديناميات مشابهة. فالأضرار المتكررة في القرى الحدودية، مقرونة بالهشاشة الاقتصادية للدولة، تخلق بيئة يصبح فيها التمويل الخارجي لإعادة الإعمار مشروطاً بإعادة تنظيم الفضاء العمراني والاقتصادي. وهنا، تتحول الأرض من حيز سيادي إلى أصل قابل للإدارة الاستثمارية.
بهذا المعنى، لا يكون التدمير نهاية دورة العنف، بل بدايتها في شكل أكثر تعقيداً: عنف يُمارس عبر العقود والأنظمة الرقمية، لا عبر القذائف فقط.

ثانياً: خصخصة القرار السياسي وصعود “مجالس الإدارة الجيوسياسية”
إذا كانت الدولة الحديثة تقوم على مبدأ احتكار القرار السيادي، فإن ما نشهده اليوم هو تفكيك تدريجي لهذا الاحتكار. تظهر كيانات هجينة تجمع بين الفاعلين السياسيين ورجال الأعمال وشركات التكنولوجيا، لتشكّل ما يمكن وصفه بـ “مجالس إدارة جيوسياسية”.
تشير تقارير مراكز أبحاث مثل CSIS (2026) إلى تزايد دور القطاع الخاص في صياغة السياسات الخارجية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا والأمن. لكن هذا الدور لم يعد استشارياً فحسب، بل أصبح تنفيذياً في كثير من الأحيان.
في هذا السياق، يمكن فهم الأدوار المتشابكة لفاعلين ماليين وتقنيين في مشاريع إعادة الإعمار وإدارة النزاعات. فالمستثمر لم يعد مجرد ممول، بل شريك في تحديد شكل النظام الذي سيُبنى بعد الحرب. كذلك، لم تعد شركات التكنولوجيا مزوّدة خدمات، بل أصبحت بنية تحتية للسلطة نفسها.
هذا التحول يطرح أسئلة جوهرية:
من يملك القرار عندما تتداخل السلطة السياسية مع رأس المال؟
ومن يحاسب هذه الكيانات عندما تتجاوز الحدود الوطنية؟
إن أخطر ما في هذه البنية ليس فقط قدرتها على اتخاذ القرار، بل غياب آليات المساءلة التقليدية التي كانت—ولو نظرياً—تضبط عمل الدولة.

ثالثاً: الخوارزميات كحدود… البنية التحتية الرقمية كسلاح
لم تعد الحدود تُرسم فقط بالجغرافيا، بل تُعاد صياغتها عبر الخوارزميات. تشير أعمال Couldry & Mejias (2019) إلى أن السيطرة على البيانات تمثل شكلاً جديداً من “الاستعمار”، حيث تُستخرج القيمة من المجتمعات عبر تحويل حياتها اليومية إلى بيانات قابلة للتحليل.
في مناطق النزاع، تأخذ هذه الدينامية طابعاً أمنياً مباشراً. فأنظمة المراقبة، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي تُستخدم لرصد السلوك والتنبؤ به. وهنا، تتحول الحدود من خطوط فاصلة إلى أنظمة ديناميكية تحدد من يتحرك، ومن يُراقب، ومن يُستبعد.
في جنوب لبنان، يمكن تصور سيناريو تُدمج فيه هذه التقنيات ضمن منظومات “الحدود الذكية”، حيث تُدار الحركة عبر أنظمة رقمية متصلة بمراكز بيانات خارجية. هذا لا يعني فقط مراقبة الأفراد، بل إعادة تعريف علاقتهم بالمكان.
الخطر هنا ليس تقنياً فقط، بل وجودي: عندما تصبح الخوارزمية وسيطاً بين الإنسان وحقه في الحركة، تتحول الحرية من حق طبيعي إلى امتياز مشروط.

رابعاً: إعادة تشكيل الديموغرافيا… التهجير كسياسة غير معلنة
ترتبط التحولات الجيوسياسية غالباً بإعادة تشكيل الخريطة السكانية. تشير ساسن (Sassen, 2014) إلى أن الاقتصاد العالمي المعاصر ينتج أشكالاً جديدة من “الطرد” (Expulsions)، حيث يُدفع السكان خارج فضاءاتهم عبر آليات اقتصادية وأمنية معقدة.
في هذا الإطار، لا يكون التهجير دائماً نتيجة قرار مباشر، بل حصيلة تراكُم ظروف تجعل البقاء غير ممكن. الدمار، غياب الخدمات، انعدام الفرص—كلها عناصر تدفع الأفراد إلى المغادرة دون إعلان رسمي.
في المقابل، تُطرح مشاريع إعادة إعمار تُعيد توزيع السكان وفق اعتبارات أمنية أو استثمارية، ما يؤدي إلى إعادة تشكيل البنية الاجتماعية للمكان.
إن ما يُقدَّم أحياناً كحلول “تنموية” قد يحمل في طياته إعادة هندسة ديموغرافية عميقة، تُعيد تعريف من ينتمي إلى المكان، ومن يُستبعد منه.

خاتمة: معركة الوعي في زمن الإدارة الخوارزمية
إن أخطر ما في التحولات التي ناقشناها ليس فقط ما تفعله بالأرض، بل ما تفعله بالعقل. فحين يُعاد تعريف السيادة كخدمة، والإنسان كبيان، والوطن كأصل استثماري، تصبح المعركة الحقيقية معركة وعي.
إن مواجهة هذا النموذج لا تكون برفض التكنولوجيا، بل بفهمها. ولا تكون برفض العالم، بل بإعادة تعريف موقعنا فيه. فالمعرفة هنا ليست ترفاً، بل أداة مقاومة.
الدفاع عن غزة، وعن جنوب لبنان، وعن أي مساحة تُعاد هندستها بهذه الطريقة، هو دفاع عن فكرة أن الإنسان ليس مجرد متغير في معادلة، بل هو غايتها.
في زمن تُدار فيه الحروب بالخوارزميات، يصبح الوعي هو السلاح الأخير الذي لا يمكن خصخصته.
ومن يفهم كيف تُبنى هذه المنظومات، لا يكتفي برفضها—بل يصبح قادراً على كسرها.

وفي مواجهة هذا التحول العميق، لا يكفي توصيف ما يحدث، بل يصبح من الضروري تطوير أطر تحليلية قادرة على اختراق البنية الخفية لهذه المنظومة. ففهم تداخل السلطة بين الدولة والشركات لم يعد ترفاً أكاديمياً، بل شرطاً أولياً لاستعادة القرار السيادي. إن السيادة اليوم لم تعد تُختزل في الحدود، بل تُعاد صياغتها داخل شبكات معقدة من البنى التحتية الرقمية، حيث تتوزع السلطة بين من يملك البيانات، ومن يديرها، ومن يقرر كيفية استخدامها.

ومن هنا، يفرض تحليل دور التكنولوجيا نفسه كمدخل لفهم الجغرافيا السياسية الجديدة؛ جغرافيا لا تُرسم بالخرائط فقط، بل بالخوارزميات التي تحدد من يُرى ومن يُهمّش، من يتحرك ومن يُقيد، من يُحتسب ضمن المعادلة ومن يُقصى منها. إننا أمام انتقال من “جغرافيا الأرض” إلى “جغرافيا القرار المبرمج”، حيث تصبح السيطرة مسألة كود بقدر ما هي مسألة قوة.

غير أن هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن آثاره الاجتماعية والأخلاقية. فحين يُختزل الإنسان إلى “نقطة بيانات”، وتُعاد صياغة المجتمعات وفق منطق الكفاءة التقنية، يصبح السؤال الأخطر: ماذا يتبقى من الإنسان خارج الخوارزمية؟ هنا تحديداً، تتكشف المعركة الحقيقية—ليس فقط على الأرض، بل على معنى الكرامة والحرية والحق في الوجود خارج شروط السوق.

لذلك، فإن التحدي لم يعد في رفض هذه التحولات، بل في بناء أدوات معرفية وسياسية قادرة على التعامل معها دون الخضوع لها. أدوات تعيد فرض التوازن بين الابتكار والسيادة، بين الأمن وحقوق الإنسان، بين الحاجة إلى التكنولوجيا وحق المجتمع في التحكم بها. فالتكنولوجيا، مهما بلغت قوتها، لا تملك شرعيتها من ذاتها، بل من الإطار الذي تُوضع فيه ومن الغاية التي تُستخدم لأجلها.

إن اللحظة التي نعيشها ليست لحظة انهيار فقط، بل لحظة إعادة تعريف. ومن لا يملك أدوات الفهم، يُعاد تعريفه من الخارج. أما من ينجح في تفكيك هذه البنية، فإنه لا يكتفي بمقاومتها—بل يفتح الطريق نحو استعادة السيادة كفعل إنساني، لا كخدمة مُدارة.