قراءة في مأزق وجودي يتكشفالوضع ما قبل الحرب: أزمة وجودية تدفع نحو المغامرةقبل اندلاع الحرب، كان الكيان يعيش لحظة من أخطر لحظاته منذ تأسيسه.

فمقومات وجوده الأساسية — الهيمنة الأمنية، التفوق الاقتصادي، والسيطرة العرقية — كانت تتعرض لاهتزاز عميق.الهيمنة الأمنية تحديدًا، وهي الركيزة التي يقوم عليها كل شيء في بنية الكيان، كانت قد تآكلت بشكل واضح بعد السابع من أكتوبر، ثم تلقت ضربة أشد خلال حرب الاثني عشر يومًا مع إيران، التي انتهت بتوسل الكيان لوقفها.هذا الواقع وضع القيادة الإسرائيلية أمام خيارين أحلاهما مرّ:إما الاستسلام للواقع الجديد، وهو خيار يعني تفكك الكيان على المدى المتوسط، وفقدان الاستقرار السياسي والأمني، وربما الاضطرار إلى حلول تمسّ السيطرة العرقية التي يقوم عليها بنيانه الداخلي،أو الذهاب إلى حرب شاملة تعيد فرض الهيمنة الإسرائيلية وتستهدف رأس محور المقاومة، أي إيران.اختار الكيان الخيار الثاني، معتقدًا أن الحرب المشتركة مع الولايات المتحدة ستمنحه فرصة لإعادة تشكيل ميزان القوى، حتى لو كان الثمن باهظًا.الحرب: من خطة للحسم إلى فشل استراتيجيلكن الحرب لم تسر كما خُطط لها.

المفاجأة الأولى كانت داخل إيران نفسها، حيث التفّ الشعب حول نظامه وقواته المسلحة، خلافًا لتقديرات الطرف المهاجم الذي بنى حساباته على توقع فوضى داخلية تؤدي إلى ثورة ضد النظام. هذا الرهان كان سوء تقدير استراتيجي فادح.على الأرض، كانت المفاجآت أكبر.

إيران دمرت معظم القواعد الأمريكية في المنطقة، وأثبتت أنها استعدت جيدًا لحرب كانت تعلم أنها قادمة. طريقة توزيع قدراتها، وإخفائها، وتحصينها، جعلت من الصعب على القوة المهاجمة — رغم تفوقها التكنولوجي — أن تُحدث تأثيرًا حاسمًا.الهجوم المدمر لم ينجح في شلّ القدرات الإيرانية، بل كشف أن إيران بنت منظومة معقدة من التحصينات والبدائل، تجعل النيل من قوتها أمرًا بالغ التعقيد.

إيران استخدمت أسلحة غير متماثلة عوضت بها الفجوة التكنولوجية، واستطاعت عبر تكتيكات مبتكرة الوصول إلى أهدافها حيث تشاء ومتى تشاء.شبكة الدفاع الجوي الأمريكية — الأكثر تطورًا في العالم — تعرضت لضربات مركزة أدت إلى تدمير معظم راداراتها واستنزاف صواريخها.القواعد الأمريكية تعرضت لدمار واسع، واضطر الأمريكيون إلى إخلاء قواعد مهمة.الطائرات الإيرانية المسيّرة لاحقت الطائرات الأمريكية المتطورة داخل قواعدها الجوية ودمرت عددًا منها على الأرض.

أما حاملات الطائرات، فقد استُهدفت بشكل مباشر، وتعرضت لأضرار أجبرتها على الانسحاب بعيدًا عن ساحة المواجهة.الصواريخ الإيرانية أثبتت تفوقها، ووصلت إلى أهدافها دون اعتراض يُذكر.وفي الأيام الأخيرة، فعّلت إيران دفاعاتها الجوية بالكامل، وبدأت بإسقاط طائرات أمريكية بشكل يومي، بما في ذلك طائرات شبحية.أمام هذا المشهد، لم يعد أمام الولايات المتحدة سوى القبول بوقف إطلاق النار.الحرب التي دخلتها كشريك ومخطط تحولت إلى عبء استراتيجي يهدد مكانتها وهيبتها.

الاعتراف الأمريكي بالهزيمة… والإنكار الإسرائيلي

الولايات المتحدة أدركت أن الاستمرار في الحرب يعني تعظيم الخسائر دون أي أمل في تغيير المعادلة.ترامب وصل إلى قناعة بأن كل يوم إضافي في المعركة يزيد من حجم الضرر، وأن الهزيمة أصبحت أمرًا واقعًا يجب التعامل معه.

لكن الكيان لم يصل إلى هذه القناعة.نتنياهو، الذي بنى رهانه السياسي على الحرب، لا يستطيع الاعتراف بالهزيمة، لأن ذلك يعني سقوط حكومته ومحاكمته وانهيار أسطورة الردع التي قامت عليها الدولة.لذلك، يحاول بكل الوسائل إفشال الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار، رغم أن حليفه الأمريكي بات مقتنعًا بأن الحرب انتهت فعليًا.

واقع الكيان بعد الحرب: أزمة تتعاظم ومحور مقاومة يتقدمالأزمة التي كان يعيشها الكيان قبل الحرب لم تُحلّ، بل تعاظمت.فقدان الهيمنة الأمنية أصبح واقعًا لا يمكن إنكاره.

محور المقاومة خرج من الحرب أقوى، وأكثر ثقة، وأكثر قدرة على فرض معادلات جديدة.حزب الله بقي ثابتًا، حماس لم تُهزم، اليمن صعد بقوة، وإيران أثبتت أنها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها.أما الكيان، فوجد نفسه أمام تحديات وجودية أعمق مما كانت عليه قبل الحرب.

هزيمة لا يمكن ترميمها سريعًاالهزيمة التي تعرض لها المحور الأمريكي–الإسرائيلي ليست من النوع الذي يمكن إصلاحه خلال أيام أو أسابيع، ولا حتى خلال سنة.إنتاج أسلحة جديدة قادرة على التكيف مع التحديات التي كشفتها هذه الحرب يحتاج سنوات طويلة من البحث والتطوير والتجريب والتدريب والإنتاج والنشر.

استقدام أسلحة بديلة للتي دُمّرت لن يحل المشكلة، وإضافة المزيد من الأسلحة الموجودة لن يغيّر شيئًا، لأن المشكلة ليست كمية، بل بُنيوية ونوعية.الخصم أثبت أنه قادر على تجاوز التفوق التكنولوجي الأمريكي، وعلى ضرب نقاط الضعف في المنظومات الدفاعية الأكثر تطورًا في العالم.وهذا النوع من التحديات لا يُعالج بالسرعة التي يحتاجها الكيان للبقاء.

خاتمة: الهروب من الحقيقةما يجري اليوم ليس خلافًا على تفاصيل اتفاق، بل صراع بين واقع جديد يفرض نفسه، وقيادة إسرائيلية ترفض الاعتراف بأن مرحلة كاملة من الهيمنة قد انتهت.

الولايات المتحدة اعترفت بالهزيمة وبدأت تبحث عن مخرج، بينما الكيان ما زال يحاول الهروب من الحقيقة، رغم أن الوقائع على الأرض لم تعد قابلة للإنكار.ولهذا، يعرقل الكيان اتفاق وقف إطلاق النار:ليس لأنه قادر على تغيير النتيجة، بل لأنه عاجز عن مواجهة الحقيقة.

سائد عساف ١٠ ابريل ٢٠٢٦