د. نبيلة عفيف غصن
في زمنٍ تتكسّر فيه الخرائط تحت وقع المصالح، وتُعاد فيه كتابة الجغرافيا بلغة القوة لا القانون، يبرز المشروع العثماني المتجدد كحقيقة لا يمكن التخفيف من حدّتها أو تغليفها بالمصطلحات الدبلوماسية.
ليس ما يجري حولنا سلسلة أحداث متفرقة، ولا مجرد ردود فعل ظرفية، بل مسار متصل يعيد إحياء فكرة قديمة: التمدد حيث يوجد فراغ، والسيطرة حيث يغيب الردع، وفرض الإرادة حيث تتفكك الإرادات.من قارص إلى تخوم سورية الطبيعية، لا تتحرك الجيوش عبثًا، ولا تُجرى المناورات بلا معنى.
هناك عقل استراتيجي يعمل، يقرأ التاريخ كخريطة مفتوحة، ويعيد توظيفه كأداة في الحاضر. وفي المقابل، يقف واقعٌ مشرذم، يفتقد إلى الرؤية الجامعة، فيتحول من فاعل في التاريخ إلى ساحة تُدار فوقها المشاريع.هنا تحديدًا، لا تعود المسألة قراءة في سياسات الآخرين فقط، بل امتحانًا لقدرتنا نحن على الفهم والمواجهة.
لأن الأمم التي لا تُدرك طبيعة ما يُحاك حولها، تتحول—دون أن تدري—إلى مادة خام في مشاريع غيرها.العثمانية كفكرة مستمرة… لا كمرحلة منتهيةإن أخطر ما في الأطماع العثمانية المتجددة ليس جرأتها، بل البيئة التي تسمح لها بالتمدد.
فالتاريخ لا يُعاد لأن طرفًا يريد ذلك فقط، بل لأنه يجد من العجز والتفكك ما يفتح له الطريق. ومن هنا، فإن المواجهة لا تبدأ برفض الخطاب، بل ببناء القوة؛ ولا تُختزل بإدانة التمدد، بل بإغلاق الفراغ الذي يتسلل منه.المعادلة واضحة وقاسية:
إمّا أن تتحول هذه الجغرافيا إلى فضاءٍ يصنع توازنه بيده، أو تبقى ساحةً تتقاطع فوقها مشاريع الآخرين. لا مكان للحياد في لحظات التحول الكبرى، ولا قيمة للوعي إن لم يتحول إلى فعل.
في النهاية، ليست القضية أن هناك من يسعى للتوسع—فهذا قانون التاريخ—بل القضية: هل يبقى المجال مفتوحًا أمامه، أم يولد في هذه الأرض وعيٌ نهضوي قادر على قلب المعادلة؟
لأن الأمم لا تُحفظ بذاكرتها فقط، بل بإرادتها… ولا تُصان حدودها بالجغرافيا، بل بالقوة التي تحرس هذه الجغرافيا من أن تُستباح من جديد.
تُقدَّم التحركات التركية غالبًا تحت عنوان “الأمن القومي”.
لكن قراءة أعمق تكشف أن هذا العنوان ليس سوى مدخل لسياسة أوسع:
في سورية الشام: يتجاوز الحضور التركي مسألة الحدود، ليصل إلى محاولة تثبيت واقع دائم يتيح التحكم بمساحات حيوية وتأثير مباشر في مستقبل المنطقة.
في القوقاز: يتجاوز الدعم لأذربيجان منطق التحالف، ليتحول إلى جسر نفوذ نحو آسيا الوسطى، واستعادة مجال تركي أوسع يتخطى الحدود الحالية.هنا، لا تعود الجغرافيا مجرد مصدر تهديد، بل تتحول إلى فرصة تاريخية للتوسع المقنّع.
الآليات: كيف يُدار التمدد في القرن الحادي والعشرين؟
التحول الأخطر لا يكمن في الهدف، بل في الوسائل. فالمشروع التوسعي لم يعد يحتاج إلى جيوش احتلال تقليدية، بل يعتمد على منظومة مركبة من الأدوات:
أولًا: العسكرة الذكيةمناورات مشتركة، انتشار عسكري محدود لكنه دائم، قواعد ونقاط تمركز مرنة. كل ذلك يخلق واقعًا ميدانيًا دون إعلان حرب شاملة.
ثانيًا: التحالفات الوظيفيةالعلاقة مع أذربيجان ليست تحالفًا تقليديًا، بل نموذج “امتداد استراتيجي”، حيث تتحول باكو إلى ذراع متقدمة لأنقرة في القوقاز.
ثالثًا: الاقتصاد والممراتالسيطرة لا تُمارس فقط عبر الأرض، بل عبر التحكم بخطوط الطاقة والتجارة. من يملك الممرات، يملك القرار.
رابعًا: الحرب الناعمة والخطاب التاريخياستحضار العثمانية ليس nostalgia، بل أداة تعبئة وتبرير، تُستخدم لإقناع الداخل وفرض سردية على الخارج.
خامسًا: استثمار الفراغ
كل تراجع دولي، كل ضعف داخلي في دول الجوار، يتحول إلى نافذة تمدد. المشروع لا يصنع الفراغ… لكنه يتقنه ويستثمره.
سورية الطبيعية والقوقاز: جبهتان لمشروع واحدما بين الشمال السوري وقارص، لا يوجد مساران منفصلان، بل خط استراتيجي واحد:الجنوب لضبط المجال الحيوي وكسر أي تهديد حدودي
الشرق لفتح الامتداد نحو العمق التركي في آسيا
إنه مشروع يربط بين الجبهتين بهدف إنتاج مجال نفوذ متصل، يعيد تعريف دور تركيا كقوة مركزية لا كدولة طرفية.
الذروة: الحقيقة التي يتم تجنبهاالسؤال ليس إن كانت هناك أطماع، بل لماذا تجد هذه الأطماع طريقها مفتوحًا؟لأن الواقع الإقليمي يعاني من:تفكك داخلي
غياب رؤية استراتيجية موحدة
تراجع في القدرة على الردع
وهنا تتحول الأطماع من احتمال إلى واقع.
فالتاريخ يعلّمنا أن المشاريع التوسعية لا تنجح فقط بقوتها، بل بضعف من يواجهها.
خاتمة: حين يتكرر التاريخ…
بصيغة أكثر خطورةما نشهده اليوم ليس استنساخًا للماضي، بل تطويرًا له. العثمانية الجديدة لا تحتاج إلى إعلان إمبراطورية، لأنها تعمل داخل النظام الدولي، وتستخدم أدواته، وتعيد توظيف تناقضاته.لكن النتيجة واحدة: توسّع تدريجي، سيطرة غير مباشرة، وإعادة تشكيل لموازين القوى.وفي ظل هذا المشهد، يصبح التحدي الحقيقي ليس في توصيف ما يجري، بل في القدرة على كسر معادلته. لأن ترك هذا المسار دون توازن، لا يعني فقط تمدد نفوذ، بل يعني إعادة رسم خرائط… قد لا تتوقف عند حدود القوقاز أو سورية الطبيعية.
