اليمن: عقدة استراتيجية في قلب التوازنات الإقليمية
بقلم : الدكتورة نجيبة مطهر / مستشار مكتب رئاسة الجمهورية / صنعاء
تشير عودة يحيى سريع إلى واجهة المشهد، بالتزامن مع الحديث عن تصعيد محتمل، إلى تحوّل يتجاوز البعد المحلي للصراع في اليمن، ويعكس اندماجه في سياق إقليمي أكثر تعقيدًا. فالتطورات الأخيرة توحي بأن الصراع لم يعد منفصلًا بين ساحات متعددة، بل بات جزءًا من مشهد أوسع تُدار فيه التحركات وفق حسابات استراتيجية متشابكة.
في هذا الإطار، يُنظر إلى تنامي التنسيق بين أطراف ما يُعرف بمحور المقاومة المرتبط بإيران كعامل أساسي في إعادة تشكيل ديناميكيات الصراع. إذ تبدو التحركات العسكرية أكثر ترابطًا، مع توزيع أدوار وتوقيتات تصعيد تخدم أهدافًا مشتركة على مستوى الإقليم.
كما يعكس التصعيد المحتمل انتقال المواجهة من نطاق محدود إلى فضاء إقليمي مفتوح، يمتد من الخليج إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط، ويعتمد على أدوات ضغط غير مباشرة، مثل استهداف مواقع استراتيجية بدل الانخراط في حروب تقليدية واسعة.
ولا يقتصر التصعيد على الجانب العسكري، بل يمتد إلى البعد الاقتصادي، مع التلويح بتهديد ممرات حيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب، ما يجعل أي تصعيد عاملًا مؤثرًا في استقرار التجارة والطاقة عالميًا.
ولم تعد المواجهة صواريخ فقط، بل صراعًا على التحكم بالاقتصاد العالمي عبر الجغرافيا، حيث تتحول الممرات البحرية إلى أدوات ضغط قادرة على إعادة تشكيل التوازنات الدولية.
اليمن كجبهة فاعلة في معادلة متعددة الأطراف
يبرز احتمال تفعيل الجبهة اليمنية بشكل أوسع، مع انخراط حركة أنصار الله ضمن معادلة إقليمية متعددة الجبهات إلى جانب فاعلين مثل حزب الله. هذا التداخل يعزز من تعقيد المشهد، ويزيد من احتمالات إطالة أمد الصراع، خاصة في ظل الخبرات القتالية المتراكمة لدى أطرافه.
وقد اكتسبت اليمن خلال السنوات الماضية خبرة ميدانية مهمة، خصوصًا في العمليات البحرية المرتبطة بالممرات الاستراتيجية في البحر الأحمر وباب المندب، ما ساهم في تطوير قدرات عسكرية وتقنية عززت موقعها في معادلات الردع الإقليمي.
يرى محللون أن التحولات في طبيعة الحروب الحديثة، بما في ذلك استخدام الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والأنظمة البحرية المتطورة، أعادت رسم ملامح الصراع، وجعلت حتى القطع العسكرية الكبرى عرضة لتحديات غير مسبوقة.
وفي هذا النوع من الحروب، تتحول القوة التقليدية إلى عبء، بينما تصبح المرونة والقدرة على الاستنزاف والتشتيت عناصر حاسمة في حسم المواجهات.
لذلك لم يعد اليمن ساحة معزولة، بل أصبح جزءًا من معادلة إقليمية كبرى تتقاطع فيها السياسة بالاقتصاد والعسكر. ولم يعد يُنظر إليه كطرف هامشي، بل كعنصر فاعل في قلب التوازنات.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل من تراكم سنوات من المواجهة المباشرة، ومن اختبار قاسٍ مع أدوات الضغط، ما أفضى إلى إعادة تشكيل الدور اليمني كقوة قادرة على التأثير في مسارات الصراع.
اليمن اليوم يتحرك ضمن سياق إقليمي مترابط يشمل إيران والعراق ولبنان وفلسطين، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن الصراع واحد، وإن تعددت ساحاته.
وبذلك لم تعد الجبهات منفصلة، بل تحولت إلى شبكة اشتباك واحدة، حيث يؤثر أي تصعيد في ساحة على بقية الساحات بشكل مباشر أو غير مباشر.
واليمن لا يكتفي بالمشاركة، بل يفرض معادلة تقوم على الرد بالمثل، ولكن بأدوات غير تقليدية، تشمل التأثير في الملاحة والتجارة وسلاسل الإمداد.
وهذا ما يجعل الممرات البحرية، مثل البحر الأحمر وباب المندب، نقاط ارتكاز استراتيجية تؤثر في استقرار الأسواق العالمية، وليس فقط في التوازنات العسكرية.
في المقابل، أعادت الحرب الإقليمية ترتيب أولويات المنطقة، ما أدى إلى تراجع الاهتمام الدولي والخليجي بالملف اليمني، في وقت لا تزال فيه التسوية السياسية متعثرة رغم الهدنة الهشة.
هذه التحولات تأتي في سياق أوسع يشير إلى تغير في بنية النظام الدولي، مع تراجع القطبية الأحادية لصالح نظام أكثر تعددية، تصبح فيه مناطق مثل البحر الأحمر ساحات رئيسية للتنافس.
الرؤية الاستراتيجية للقائد
في ذكرى اليوم الوطني للصمود، قدم السيد القائد قراءة متكاملة للواقع اليمني والإقليمي، مؤكدًا أن العدوان على اليمن جزء من مشروع دولي واسع بقيادة أمريكا، تنفيذ السعودية، مشاركة بريطانيا، واستفادة إسرائيل. العدوان يهدف إلى إخضاع اليمن، نهب ثرواته، وزعزعة نسيجه الاجتماعي، لكن اليمن يتحرك من موقع الدفاع عن نفسه وعن الأمة، مع تحول استراتيجي يركز على مواجهة المشروع الصهيوني واسع النطاق ودعم الشعب الفلسطيني في غزة.
الهوية الإيمانية وقوة الصمود
القائد شدد على أن قوة اليمن تكمن في هويته الإيمانية: “الإيمان يمان والحكمة يمانية”، والتي تمنح الشعب الصمود والثبات، وتجعله رافضًا للهيمنة والطغيان. النصر مرهون بالتوكل على الله، الثبات على الحق، والمبادرة الجماعية، ودعم الحلفاء الحقيقيين مثل إيران، التي كانت المساند الرئيس ضد العدوان.
المفارقة الإقليمية والتحرك الذاتي
التطورات الأخيرة تظهر فجوة بين بعض الأنظمة العربية ومحيطها القومي والإسلامي، حيث تُفتح أبواب الدول للقوى الأجنبية، وتُعاد صياغة الصديق والعدو وفق مصالح أمريكا الفاشلة، متجاهلة حماية الأرض والعرض. هذا السلوك يمهد الطريق لمشروع “إسرائيل الكبرى”، بينما جبهات الصمود من طهران إلى بيروت وبغداد وصنعاء تؤكد أن الاعتماد على الذات والمبادرة هما السبيل الوحيد للنجاة وتحقيق النصر. النصر مرهون بالإرادة والوعي، لأن العدو لا يفهم إلا لغة القوة، والرهان على الغزاة هو سراب يقود إلى الخسارة التاريخية.
من خلال ما عرضته الخطابات والبيانات الأخيرة، يمكن استخلاص أن اليمن يُظهر استعدادًا لمفاجآت وتحركات غير مسبوقة على أكثر من مستوى:
الجانب العسكري: الانتقال السريع من التحذير إلى التنفيذ الصاروخي على أهداف حساسة يعكس نمطًا جديدًا يقوم على تقليص الفجوة بين القول والفعل، ما يجعل كل تهديد جدّيًا وقابلًا للتنفيذ.
الجانب الاستراتيجي والسياسي: خطابات القائد تظهر رؤية واضحة للتعامل مع المشروع الصهيوني والأطماع الإقليمية والدولية، مع التركيز على الدفاع عن الأمة وليس فقط عن اليمن، وهو ما يعكس استعدادًا لتحركات استراتيجية كبيرة خارج الإطار التقليدي.
الجانب الإقليمي: التحركات الدبلوماسية والسياسية اليمنية، ودعم الشعب الفلسطيني، واستثمار فجوات بعض الأنظمة العربية في السياسات المعادية للأمة، كلها مؤشرات على قدرة على استغلال المفاجآت والفرص لصالح المقاومة والصمود.
باختصار، اليمن مستعدًا لـ أسلوب عمل غير تقليدي ومفاجئ يجمع بين القوة العسكرية، الاستراتيجية السياسية، والردع الرمزي، ما يجعله طرفًا يحسب له الحساب في أي معادلة إقليمية قادمة.
و السعودية لا تمنع اليمن من اتخاذ قراراته أو المشاركة في أي تحرك. هناك عدة أسباب لذلك:
- الاستقلالية في القرار العسكري والسياسي: اليمن يؤكد باستمرار أن مواقفه واستجاباته تتحدد وفق مصالحه الوطنية والأممية، وليس بناءً على مواقف أي دولة عربية، بما في ذلك السعودية. التحركات الأخيرة (كالعمليات الصاروخية واستهداف أهداف حساسة) تثبت أن اليمن يتصرف وفق إرادة مستقلة وقوة تنفيذية مباشرة.
- الرؤية الاستراتيجية للأمة: خطاب السيد القائد يوضح أن اليمن يضع نفسه في موقع الدفاع عن الأمة وليس فقط عن حدود البلاد، أي أن موقف أي دولة عربية لا يُعتبر معيارًا لتحديد خيارات اليمن في دعم الفلسطينيين أو مواجهة المشروع الصهيوني.
- إصرار على المبادرة الذاتية: اليمن يعتمد على مبدأ القدرة على المبادرة والتحرك قبل الآخرين، مستندًا إلى الصمود والهوية الإيمانية، لذلك لن يتوقف عن اتخاذ القرار المناسب لمصلحته أو لمصلحة الأمة لمجرد تصريحات خارجية.
باختصار، الموقف السعودي أو أي تصريحات مشابهة قد تُسجّل إعلاميًا، لكنها ليست عاملًا محددًا لإيقاف اليمن عن اتخاذ قراراته أو المشاركة في أي تحرك استراتيجي أو عسكري.
اليمن اليوم لا “يعود” فحسب، بل يُعاد تعريفه.
لم يعد مجرد ساحة صراع، بل عقدة استراتيجية يصعب تجاوزها، ولاعبًا مؤثرًا في معادلات الأمن الإقليمي والدولي. ومع اتساع رقعة المواجهة، تبقى كل السيناريوهات مفتوحة بين التصعيد والاحتواء، في مشهد مرشح لمزيد من التعقيد في المرحلة المقبلة.
