الحقيقة في مرمى النيران
بقلم : الدكتورة نجيبة مطهر / مستشار مكتب رئاسة الجمهورية / صنعاء
في لحظات كهذه، لم يعد الحديث عن الميادين مجرد حديث عن شاشة أو كاميرا، بل عن فكرة. إعلام يعرف منذ البداية أن الحياد بين المقتول وقاتله ليس حيادًا، بل تواطؤ مقنّع. الصدمة ليست في سقوط صاروخ على سيارة صحافيين، بل في استهداف العين التي ترى، والذاكرة التي توثّق، والحقيقة التي لا تعرف الرتوش ولا إذن القاتل.
وفي جنوب لبنان، لم يُرِد العدو قتل أجسادٍ فحسب، بل اغتيال الشهادة نفسها. ليس كل دم يُراق في الحرب يُراد به القتل وحده؛ هناك دم يُراق ليُسكت الصوت، ويحطم العدسة، ويدفن الرواية. الاحتلال الذي يقتل الطفل لا يتردد في قتل من يصور الطفل، والاحتلال الذي يهدم البيت لا يتورع عن اغتيال من يقف أمام الركام ليقول: هنا كانت حياة، هنا كانت عائلة، هنا مر الصاروخ.
الصحافي الميداني يشكّل خطرًا مضاعفًا في نظر القاتل؛ ليس لأنه يحمل سلاحًا، بل لأنه يحمل ما هو أخطر على المدى البعيد: الدليل الذي يفسد الكذبة ويُنقذ الضحية من موتها الثاني في الرواية. لذلك يصبح الصاروخ أداة رقابة دموية، محررًا وحشيًا يشطب اللقطة ويمنع الشهادة من أن تُقال.
وحين يُقتل صحافيون مرة بعد مرة، وفي نفس الجغرافيا، وتحت الذرائع نفسها، فإننا لسنا أمام حوادث عرضية، بل أمام رسالة نارية: من يقترب من الحقيقة أكثر من اللازم يُعاقَب.
هذا ما حدث مع فاطمة فتوني، مراسلة الميادين، وشقيقها المصور محمد فتوني، إلى جانب مراسل المنار علي شعيب، في غارة جنوب لبنان يوم 28 مارس 2026. إسرائيل اعترفت باستهداف شعيب زاعمة أنه عنصر استخباري، لكنها لم تفسّر مقتل فاطمة ومحمد، فيما اعتبرت الدولة اللبنانية الهجوم انتهاكًا صارخًا للقوانين الدولية التي تحمي الصحافيين المدنيين.
قبل فاطمة ومحمد، استشهدت فرح عمر وربيع المعماري في جنوب لبنان نوفمبر 2023، ثم هادي السيد سبتمبر 2024، وغسان نجار ومحمد رضا أكتوبر 2024، فضلاً عن استهداف مكاتب القناة في بيروت. ليست مجرد حوادث، بل خريطة استهداف واضحة للمسار الميداني للميادين.
وإصرار الاحتلال على استهداف الصحفيين والمسعفين له أهداف استراتيجية واضحة:

  • فرض “العمى القسري” على الميدان: منع وصول الصورة الحقيقية لما يرتكبه الجيش من جرائم، ونشر أخبار مضللة دون من يفندها ميدانيًا.
  • كسر إرادة الصمود المجتمعي: الرسالة واضحة: لا حماية لأحد، مما يؤدي إلى نزوح قسري وانهيار منظومة الأمان الاجتماعي.
  • الإفلات من العقاب: تصفية الصحفيين ومنع الوصول لتوثيق الجرائم محاولة لتعطيل المسار القانوني الدولي في المستقبل.
    القانون الدولي واضح؛ البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 والمادة 24 من اتفاقية جنيف تحمي الصحفيين والكادر الطبي كمدنيين. تجاوز هذه القواعد واعتداء الاحتلال على المدنيين هو اختبار أخلاقي وقانوني للحكومة اللبنانية.
    العدالة الدولية كحل وحيد
    التنديد اللفظي لم يعد كافيًا. لبنان بحاجة إلى الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية أو تفعيل المادة 12(3) من نظام روما الأساسي، لكسر حلقة الإفلات من العقاب وتحويل الجرائم الميدانية إلى مذكرات توقيف دولية.
    دماء الشهداء: شهادة لا تموت
    في لحظات كهذه، يصبح نقل الحقيقة انحيازًا أخلاقيًا لا مجرد وظيفة تقنية. دماء فاطمة ومحمد فتوني ومن سبقهم من الصحفيين ليست مجرد خسارة شخصية، بل دم موقف: مواجهة الخطر لإظهار الحقيقة للعالم.
    الاحتلال يملك السلاح وآلة التبرير، أما هؤلاء الشبان والشابات، فلديهم الكاميرا والميكروفون والشجاعة. وهذا ما يخشاه العدو: العدسة والصوت الصادقان اللذان يكشفان أكاذيبه.
    رحلت فاطمة فتوني، لكن الخطّ الذي سارت عليه لم ينكسر. سيبقى ممتدًا ما دام هناك من يراه، من يؤمن به، ومن يجرؤ على أن يخطو خطوة أخرى. كل شهيد من شهداء الميادين يضيف سطرًا جديدًا في سجل الحق، ويؤكد أن الحقيقة تجد دائمًا من يحملها، ولو إلى حد الشهادة.
    لكل شهداء الصحافة في غزة وجنوب لبنان، أنتم الحكاية التي لا تنطفئ، الكلمة التي ستبقى تقاتل، والصورة التي ستفضح كل محتل وظالم في هذا العالم.