كفى وهماً. كفى هروباً إلى الطوائف كلما اشتعلت النار. الحقيقة التي تُكتب بالدم اليوم لا تقبل التأويل: الكيان الصهيوني لا يميّز بين مسلم ومسيحي، ولا يسأل عن اسمٍ أو عقيدة، بل يرى أمامه إنساناً فيقتله. هذه ليست حرباً على طائفة، بل حرب على الوجود نفسه.
حين تسقط البيوت، لا تُسأل جدرانها إن كانت تُصلّي في مسجد أو تُقرع فيها أجراس الكنائس. وحين تُستهدف الطرقات، لا يُفتَّش المارّة عن هوياتهم الدينية. الجميع في مرمى النار، لأن المعيار الوحيد هو أنك هنا… على هذه الأرض. وهذا وحده كافٍ لتكون هدفاً.
ومن يظن أن هذه الحقيقة جديدة، فلينظر إلى تجربة الداخل الفلسطيني نفسه. المسيحيون هناك لم يكونوا يوماً خارج دائرة الاستهداف: أراضٍ صودرت، أحياءٌ ضُيّق عليها، ووجودٌ يُدفع تدريجياً نحو الانكماش في مدنٍ تاريخية كحيفا ويافا والناصرة. لم يشفع لهم دينهم، ولم تحمِهم كنائسهم من سياسات الاقتلاع البطيء التي تخدم التوسع الاستيطاني.
والدروز، الذين حاول الاحتلال طويلاً تقديمهم كـ”حالة خاصة”، لم يسلموا بدورهم من منطق المصادرة ذاته. أراضٍ تُنتزع، قرى تُحاصر بمخططات التوسع، وواقعٌ يُفرض عليهم بالقوة، لا يختلف في جوهره عمّا يُفرض على غيرهم. التجربة تقول بوضوح: لا امتياز دائماً، ولا استثناء دائماً، بل مرحلة مؤقتة قبل أن يصل الدور إلى الجميع.
أخطر ما في المشهد ليس فقط القتل، بل استمرار البعض في دفن رؤوسهم داخل خنادق الطائفية، وكأن الصاروخ يملك ترف التمييز. أي سذاجة هذه؟ وأي إنكار؟ الدم الذي يُسفك لا يُصنّف، والنار التي تشتعل لا تختار. من لا يرى ذلك اليوم، سيفهمه متأخراً، حين لا يعود للفهم أي قيمة.
هذا ليس صراع مسلمين ضد عدو، ولا مسيحيين ضد خطر مختلف. هذا صراع شعبٍ بأكمله في مواجهة آلة لا ترى فيه إلا هدفاً واحداً. وكل خطاب يُجزّئ هذه الحقيقة، هو خدمة مجانية للقاتل، حتى لو جاء مغطّى بشعارات وخوف مزعوم على طائفة دون أخرى.
الرسالة يجب أن تكون حاسمة: لا نجاة لطائفة دون أخرى، ولا حصانة لأحد خارج وهمه. من يظن أن انتماءه الديني سيحميه، لم يفهم بعد طبيعة هذا العدو. ومن يصرّ على الانقسام، يساهم—بوعي أو بدونه—في تسهيل المهمة.
لا تسألوا بعد اليوم: من استُهدف؟
اسألوا فقط: من يقتل الجميع؟
د.نبيلة عفيف غصن
