إلى اليمين اللبناني تحديدًا، إلى أولئك الذين يظنون أن ما يجري في القدس شأنٌ بعيد، أو ورقة يمكن تدويرها في بازار السياسة الداخلية: ما يحدث اليوم في سلوَان ليس خبرًا فلسطينيًا… بل رسالة إنذار لكم قبل غيركم.

في القدس، لا يسأل المستوطن عن طائفة صاحب البيت قبل أن يقتحمه. لا يهمه إن كان مسلمًا أو مسيحيًا، درزيًا أو غير ذلك. ما يهمه شيء واحد فقط: أن هذه الأرض ليست له بعد… ويريدها أن تصبح كذلك. بهذه البساطة، وبهذا العنف.

ثلاثة عشر منزلًا أُفرغت خلال ساعات، عائلات اقتُلعت من جذورها، وأطفال طُردوا من غرفهم، ليدخل المستوطن بعدها مباشرة، يرفع علمه ويحتفل. هل تظنون أن هذه المشاهد ستبقى محصورة في أزقة القدس؟ أم أنها النموذج الذي يُراد تعميمه حيثما سنحت الفرصة؟

الرهان على أن “الحياد” يحمي، أو أن “التسويات” تردع، هو وهمٌ سقط في كل مكان وصل إليه المشروع الصهيوني. هذا المشروع لا يعترف بحدود نهائية، ولا بشركاء دائمين، ولا بضمانات دولية. هو مشروع توسّع، يتغذّى على الضعف، ويتمدّد كلما صمتت الأرض.

في جبل المكبر، شاب يُقتل داخل غرفته. ليس في مواجهة، ولا في ساحة قتال، بل في بيته. الرسالة واضحة: لا حصانة لأحد. البيت الذي تظنونه ملاذًا، يمكن أن يتحول في لحظة إلى ساحة اقتحام. فكيف بدولة تُفكك من الداخل، وتُفرّغ من عناصر قوتها، وتُقنع نفسها أن الخضوع هو طريق النجاة؟

لبنان، بكل مكوّناته، ليس خارج هذه المعادلة. من يعتقد أن الاستيطان يفرّق بين منطقة وأخرى، أو بين طائفة وأخرى، لم يقرأ تاريخ هذا المشروع جيدًا. في فلسطين، بدأت القصة بذريعة، ثم تحولت إلى سياسة، ثم أصبحت واقعًا يُفرض بالقوة. والذين راهنوا على “خصوصيتهم” أو “علاقاتهم” أو “ضماناتهم”، وجدوا أنفسهم في النهاية أمام الجرافة نفسها.

اليمين اللبناني مدعو اليوم إلى مواجهة حقيقة قاسية: إضعاف عناصر القوة في لبنان، تحت أي عنوان، لا يؤدي إلى الاستقرار، بل يفتح الباب أمام من لا يعترف أصلًا بوجود هذا الكيان وحدوده. حين تُكسر إرادة المواجهة، لا يأتي السلام… بل يأتي من يفرض شروطه على أرضٍ منزوعٍ عنها القدرة على الرفض.

ما يجري في سلوَان اليوم هو نسخة مكثفة عن مستقبلٍ محتمل، إذا استمر منطق الإنكار. التهجير يبدأ ببيت، ثم بحي، ثم بمدينة. والاستيطان لا يحتاج إلى دعوة رسمية؛ يكفيه فراغ القوة، وصمت الموقف، وانقسام الداخل.

المسألة لم تعد قضية تضامن أو تعاطف. إنها مسألة مصير.
إما أن يُفهم ما يجري على حقيقته كمشروع اقتلاع شامل، أو أن يُعاد إنتاج المأساة ذاتها في مكان آخر—ربما أقرب مما يظن كثيرون.

سلوَان اليوم ليست بعيدة. إنها المرآة.
والسؤال ليس ماذا يحدث هناك… بل ماذا ستفعلون كي لا يحدث هنا.

د.نبيلة عفيف غصن