هل اليأس من النهج المقاوم والاستسلام يعتبر خيانة فكرية لدى انطون سعاده
هل يمكن اختزال المسألة إلى حكم أخلاقي بسيط: خيانة أو عدم خيانة؟
كتبت د.نبيلة عفيف غصن
عند أنطون سعاده، الأمر أعمق من ذلك بكثير. فهو لا يتعامل مع “المقاومة” بوصفها ردّ فعل عسكري ظرفي، بل كحالة وجودية نابعة من فهمٍ للعقيدة القومية الاجتماعية، حيث تصبح مسألة اليأس أو الاستسلام مسألة تمسّ جوهر الوعي القومي نفسه، لا مجرد موقف سياسي عابر.
بين اليأس كحالة نفسية والاستسلام كخيار فكري
يميّز سعاده، في جوهر فكره، بين ضعف الإنسان الطبيعي وبين سقوطه الفكري. فاليأس، بوصفه شعوراً إنسانياً، قد يكون نتيجة تراكم الهزائم والضغوط، وهو لا يُدان بحد ذاته. لكن الخطورة تبدأ عندما يتحول هذا اليأس إلى موقف فكري مُمنهج يبرّر الاستسلام، ويعيد صياغة الهزيمة كخيار “عقلاني” أو “واقعي”.
في هذه اللحظة، لا يعود الأمر مجرد تعب أو إحباط، بل يتحول إلى ما يمكن وصفه بـ”الانحراف عن النهج”، أي الانفصال عن الفكرة الأساسية التي تقوم عليها العقيدة القومية الاجتماعية: أن الأمة، كحقيقة حية، تملك إرادة البقاء والصراع.
المقاومة في فكر سعاده: ليست خياراً بل ضرورة وجودية
في فلسفة سعاده، الصراع ليس خياراً تكتيكياً، بل قانون من قوانين الوجود. فالأمم لا تعيش إلا بمقدار ما تقاوم عوامل فنائها. ومن هنا، فإن “النهج المقاوم” ليس مجرد برنامج سياسي، بل تعبير عن وعي الأمة بذاتها.
عندما يفقد الإنسان إيمانه بضرورة الصراع، فهو لا يتخلى فقط عن وسيلة، بل يتخلى عن فهمه لذاته كجزء من أمة حية. وهذا ما يجعل الاستسلام، في ميزان سعاده، ليس مجرد خطأ، بل خللاً في الإدراك القومي.
الاستسلام كخيانة فكرية: متى ولماذا؟
يمكن القول إن الاستسلام يصبح “خيانة فكرية” عند سعاده في حالتين أساسيتين:
أولاً، عندما يُعاد تعريف العدو كأمر واقع لا يمكن تغييره، فتُلغى فكرة الصراع من الأساس. هنا يتم نسف أحد أعمدة الفكر القومي الاجتماعي، وهو مبدأ التفاعل والصراع كشرط للتقدم.
ثانياً، عندما يتم تبرير التخلي عن المقاومة باسم “المصلحة” أو “الواقعية السياسية”، بينما هو في الحقيقة تعبير عن فقدان الثقة بالنفس القومية. في هذه الحالة، يتحول الفكر إلى أداة لتغطية العجز، لا لتغييره.
في هاتين الحالتين، لا يعود الاستسلام مجرد خيار، بل يصبح انقلاباً على العقيدة نفسها، أي خيانة فكرية بالمعنى العميق للكلمة.
بين الواقعية والاستسلام: خط فاصل دقيق
مع ذلك، لا يدعو سعاده إلى تهور أو انتحار سياسي. فهو يميز بين المرونة التكتيكية وبين التخلي عن المبادئ. فإعادة التموضع، أو القبول بتسويات مرحلية، قد تكون جزءاً من إدارة الصراع، لا إنهائه.
لكن الفارق الجوهري يكمن في النية والغاية: هل الهدف هو الحفاظ على القدرة على الصراع مستقبلاً، أم تصفية الصراع نهائياً؟ في الحالة الأولى نحن أمام واقعية واعية، وفي الثانية أمام استسلام مبرّر فكرياً.
اليأس كمدخل لإعادة التكوين لا للهزيمة
في قراءة نهضوية لفكر سعاده، يمكن تحويل اليأس نفسه إلى نقطة انطلاق. فالأزمات والهزائم، في نظره، تكشف خلل البنية وتدفع نحو إعادة التكوين. الأمة التي تعي أسباب ضعفها تستطيع أن تعيد بناء نفسها، أما التي تبرّر ضعفها فتغرق فيه.
من هنا، لا يكون الخطر في الشعور باليأس، بل في الاستسلام له وتحويله إلى عقيدة بديلة.
خاتمة: معيار الخيانة في الفكر لا في الشعور
وفقاً لأنطون سعاده، لا يُحاكم الإنسان على مشاعره، بل على وعيه ومواقفه. اليأس ليس خيانة، لكنه قد يصبح بوابة لها إذا تُرجم إلى استسلام فكري يُنكر حق الأمة في الصراع والبقاء.
الخيانة، في هذا السياق، ليست فعلاً آنياً، بل عملية تآكل داخلي تبدأ حين يتخلى العقل عن إيمانه بذاته، وحين تتحول الهزيمة من حدث يجب تجاوزه إلى حالة يجب التكيّف معها.
وهنا تحديداً، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل نشعر باليأس؟ بل: ماذا نفعل به؟
