لم تعد السياسة في الشرق الأوسط مجرّد إدارة مصالح أو موازنة قوى، بل تحوّلت في بعض نماذجها إلى حالة نفسية مركّبة من الارتهان الطوعي، حيث لا يُفرض الخضوع من الخارج بقدر ما يُصاغ من الداخل ويُعاد إنتاجه عبر خطاب رسمي وسلوك سياسي يومي، هذه الحالة لا تُفهم فقط من خلال قراءة التحالفات، بل عبر تفكيك البنية الذهنية التي تجعل الحاكم يرى في التبعية ضماناً، وفي الاستقلال مخاطرة.
في هذا السياق، يبرز نموذج بعض حكّام الخليج الذين انتقلوا من منطق “التحالف” إلى منطق “التماهي”، حيث لم يعد الطرف الدولي شريكاً، بل تحوّل إلى مركز مرجعي تُقاس عليه السياسات، وتُضبط وفقه الأولويات، وهنا تحديداً، يتجاوز الأمر حدود الدبلوماسية ليقترب من صناعة “الصنم السياسي” ليس بالمعنى الديني، بل بوصفه حالة من التقديس السياسي التي تُعطّل النقد وتُجرّم الاستقلال.
إن العلاقة مع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ليست بحد ذاتها إشكالية؛ فجميع الدول تنخرط في شبكات تحالف، لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول هذه العلاقة إلى تبعية غير متكافئة، تُختزل فيها السيادة إلى وظيفة تنفيذية، ويُختزل القرار الوطني إلى استجابة، عند هذه النقطة، يصبح الحاكم أقرب إلى “مدير مصالح” لا إلى صانع قرار.
الأخطر من ذلك هو ما يجري في الظل، سياسات مزدوجة تُعلن شيئاً وتُخفي نقيضه، ففي العلن، خطاب عن الاستقرار والسلام، وفي الخفاء، انخراط في ترتيبات إقليمية تهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوى عبر استهداف خصوم بعينهم، وعلى رأسهم إيران، هذه الازدواجية لا تعبّر عن براغماتية ذكية، بل عن ارتباك استراتيجي، محاولة الجمع بين الحماية الخارجية والشرعية الداخلية دون امتلاك أدوات أيّ منهما بالكامل.
في المقابل، يقدّم النموذج الإيراني بغضّ النظر عن الموقف منه طرحاً مختلفاً في تعريف السيادة، فإيران تبني خطابها على الاستقلال، وترى في الصدام مع الهيمنة ثمناً طبيعياً للحفاظ على القرار الوطني، هذا الطرح يمنحها، في نظر أنصارها، موقع “الدولة التي تدفع كلفة موقفها”، مقابل دول أخرى تُفضّل دفع كلفة التبعية على تحمّل تبعات الاستقلال.
لكن المسألة لا ينبغي أن تُختزل في ثنائية تمجيد/شيطنة، فالمشهد أعقد من ذلك، ما يجري هو صراع بين نموذجين، نموذج يرى الأمن في الارتباط بالقوة الكبرى، حتى لو كان الثمن تآكل السيادة، ونموذج يرى الأمن في بناء قوة ذاتية، حتى لو كان الثمن مواجهة دائمة.
غير أن الإشكالية الحقيقية ليست في اختيار أحد النموذجين، بل في غياب التوازن، فالدولة التي تفقد قدرتها على قول “لا” تفقد تدريجياً قدرتها على تعريف نفسها، ومع الوقت، يتحوّل الخضوع من خيار تكتيكي إلى بنية دائمة، ومن سلوك سياسي إلى ثقافة حكم.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس فقط ما تنتجه من سياسات، بل ما تزرعه في وعي الشعوب، تطبيع فكرة أن الكرامة رفاهية، وأن الاستقلال مغامرة غير محسوبة، وأن القوة تُستعار ولا تُبنى. عندها، لا يعود السؤال، لماذا يخضع الحاكم؟، بل لماذا يقبل المجتمع بهذه المعادلة؟
في النهاية، لا تُقاس الدول بما تعلنه من شعارات، بل بقدرتها على تحقيق معادلة صعبة، حماية مصالحها دون أن تفقد نفسها، فالعزّة ليست خطاباً، كما أن البراغماتية ليست ذريعة، وبينهما، يُكتب مصير الأمم.
رسول حسين أبو السبح _العراق
كاتب متخصص في الفكر الإسلامي و السياسي و العقائدي
