الأزهرُ يُسارِعُ إلى الشيطانِ الأكبرِ في بيانِه.
عدنان عبدالله الجنيد.
حين تُستدعى الشريعة لإدانة المقاومة، ويُغيَّب دمُ الطفل.
﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌۭ ۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍۢ مِّنْ عِندِهِۦ فَيُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ نَٰدِمِينَ﴾،سورة المائدة: 54.
مقدمة:
حين ينقلب البيان من تبليغ الرسالة إلى تبرير الهيمنة:
الحمد لله القائل:
﴿ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُۥ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًا﴾،سورة الأحزاب: 39.
ليست وظيفة العلماء إصدار بيانات سياسية منزوعة السياق، ولاالاصطفاف مع موازين القوى، بل تبليغ رسالة الله كما هي، كاملة غير منقوصة، دون خوف من سلطان أو هيبة من مستكبر.
ومن هذا الميزان القرآني تُقاس البيانات، وتُعرف مواقع العلماء: أفي صفّ ورثة الأنبياء هم، أم في صفّ من يسارعون خوفًا من الدوائر؟
البيان الصادر عن الأزهر ليس مجرد موقف، بل هو وثيقة سياسية محكمة الدلالة ومليئة بالرسائل الضمنية.
مُلبَّسة بلباس الشرع، تستدعي مفردات الإسلام ومقاصده، لا لنصرة المظلوم، بل لإدانة من يواجه منظومة الاستكبار، في مشهدٍ تتبدّى فيه المفارقة الصادمة: تُستحضر الشريعة عند إدانة إيران، ويُغيَّب الإسلام كلّيًا حين تُباد الطفولة في فلسطين، وتُسفك دماء الأطفال تحت ركام البيوت، دون بيان، ولا نفير، ولا غضبٍ يليق بدمٍ معصوم.
أولًا: في تشخيص الاعتداء غير المبرر… قلب الحقيقة وتبرئة المعتدي:
جاء بيان الأزهر ليصف التحركات الإيرانية بأنها اعتداءات غير مبررة، متجاهلًا حقيقة ثابتة: أن المستهدف هو القواعد العسكرية الأمريكية التي انطلقت منها الاعتداءات على شعوب المنطقة.
إن تجريم ردّ الفعل مع تجاهل الفعل الأصلي ليس حيادًا، بل انحياز سافر، وتبرئة للمجرم الأول، وتزييف لميزان العدل.
ثانيًا: دماء الأطفال… المعيار الغائب:
يتحدث البيان عن “صون أرواح الأبرياء”، لكن أيّ أبرياء؟ أين كانت هذه اللغة الصارمة حين أُحرِق أطفال غزة في الخيام، ودُمّرت مدارس لبنان ومستشفياته، واستُهدفت مدارس اليمن، ووقعت التفجيرات الغادرة في كرمان داخل إيران؟
إن العدل الذي يُجزَّأ، والدم الذي يُنتقى، ليس عدلًا شرعيًا، بل أخلاق انتقائية تخدم جغرافيا النفوذ الأمريكي وتخذل المظلوم حيثما كان.
وأبعد من ذلك، أين الأزهر من فضائح اغتصاب القاصرات وقتل الأطفال في ملف جزيرة جيفري إبستين؟
أين إعلان البراءة؟
أين الفتوى؟
أين الجهاد الأخلاقي في وجه منظومة غربية تحمي قتلة الطفولة؟
الصمت هنا ليس حيادًا… بل تواطؤ أخلاقي.
ثالثًا: مبادئ الإسلام والقانون الدولي… أيهما المرجع؟
استند البيان إلى القانون الدولي حين دان الرد، لكنه تجاهل أن المرجعية للمسلم هي مبادئ الإسلام أولًا وأخيرًا، فهي الكافية والشافية في كل الأحوال.
مبادئ الإسلام في مواجهة العدوان:
· دفع العدوان: ﴿فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُوا۟ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾
· نفي السبيل: ﴿وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾
· حفظ النفس والمال لا يفرّق بين طفل في غزة وآخر في صنعاء أو طهران.
القانون الدولي الذي يُستدعى لإدانة المقاومة، هو ذاته الذي:
· شرعن إبادة غزة.
· منح القاتل حصانة.
· وصنّف الدفاع عن النفس إرهابًا.
وحين يتعارض هذا القانون مع الإسلام، فإن المرجعية للمسلم ليست الأمم المتحدة، بل قوله تعالى: ﴿وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين﴾.
وجود قواعد أجنبية تتحكم بمصير الشعوب عدوانٌ باطل، ومقاومته جهاد دفعٍ للصائل.
العلماء… بين الربانية ورياء السلطان:
الفرق بين العلماء ليس علمًا ولا منصبًا، بل الخشية: فالرباني يخشى الله وحده، وعالم السوء يخشى فقدان الحظوة عند الحاكم.
ومن هنا يُحفظ الدين أو يُضيّع، وتُصان المقدسات أو تُستباح.
حذّر الإمام الخميني من المتلبسين بزي العلماء، واصفًا إياهم بأنهم أخطر من العدو الخارجي، لأنهم يحرّفون النصوص لتبرير الظلم، ويصمتون عن المجازر بدعوى الحكمة،ويضفون الشرعية على التطبيع والتبعية، ويبيعون الدين بحطام الدنيا. وقال الإمام زيد بن علي رضوان الله: هلك من كان قبلكم حين سكت علماؤهم، ونطق جهّالهم.
وفي المقابل، قال السيد عبد الملك الحوثي يحفظة الله: العالم الرباني هو من يتحرّك بالقرآن، ويقف مع الحق، ويتحمّل تبعات الموقف، ولا يجعل المنبر أداة تبرير للطغاة.
أولًا: المرجعية:
· العلماء الربانيون: القرآن الكريم منهجًا وحركةً وتطبيقًا.
· علماء السوء: أهواء الحكام وتبرير سياساتهم.
ثانيًا: الموقف من المستكبرين:
· العلماء الربانيون: الصدع بالحق والتعبئة للجهاد.
· علماء السوء: الصمت أو شرعنة التطبيع.
ثالثًا: الأولوية:
· العلماء الربانيون: نصرة المستضعفين.
· علماء السوء: المناصب والامتيازات.
رابعًا: الدور الاجتماعي:
· العلماء الربانيون: أمر بالمعروف ونهي عن المنكر.
· علماء السوء: تخدير الشعوب.
خامسًا: الأثر في الأمة:
· العلماء الربانيون: صناعة جيل عزيز.
· علماء السوء: تحويل الشعوب إلى قطيعٍ بلا هوية.
الحق المشروع في الدفاع عن النفس… شرعًا وقانونًا وإجماعًا:
أولًا: التأصيل الشرعي والقانوني:
· شرعًا: دفع العدوان فريضة، ونفي السبيل قاعدة قرآنية محكمة: ﴿وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.
· قانونًا: المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تكفل حق الدفاع عن النفس، والدولة التي تسمح باستخدام أراضيها للاعتداء تفقد حصانتها، وتصبح القواعد أهدافًا عسكرية مشروعة.
ثانيًا: الإجماع القيادي والعلمائي:
· قياديًا: أكد السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي أن الوجود الأمريكي استعمارٌ مقنّع، والرد على القواعد حق مشروع، وزمن “الضرب دون رد” انتهى.
· علمائيًا: أجمعت رابطة علماء اليمن، وعلماء المقاومة في لبنان والعراق، وموريتانيا والجزائر وتونس، إلى جانب مفتي عُمان، على أن بقاء القواعد احتلال مقنّع، وضربها واجب شرعي لدفع الصائل.
· دوليًا: روسيا والصين انتقدتا: استخدام القواعد في العدوان، حتى الإعلام الغربي أقرّ بأن القواعد أصبحت عبئًا تصعيديًا.
ثالثًا: ما أغفله بيان الأزهر:
أعلنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن عملياتها تستهدف القواعد العسكرية فقط، لا المدنيين، في إطار حق الدفاع المشروع، مع طمأنة دول الجوار بأن أمنها غير مستهدف.
تجاهل هذه المعطيات ليس سهوًا… بل انتقاء سياسي.
رابعًا: التمييز الحاسم:
الموقف المعلن: نضرب القواعد لا الشعوب.
والهدف: بتر يد المعتدي، لا إيذاء الجيران.
لماذا صدر بيان الأزهر؟
1- الانقلاب عن فريضة النفير: تحول الدور من التحريض على الجهاد إلى تبرير القعود، فجرَت سنة الاستبدال، وبرزت قيادات وشعوب حملت الراية التي تركها علماء المؤسسات.
2- من العزة إلى التبعية: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ﴾ استُبدلت بمداهنة القوى الدولية، وارتهان القرار للسلطة السياسية، فتحول العالم من ناصح إلى مبرر.
3- من منبر نور إلى منبر طغيان: تزييف الوعي وتشويه المقاومة، وفصل الدين عن الميدان، وتوفير غطاء شرعي للأنظمة التي تستضيف القواعد.
والنتيجة: فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي وضمير الأمة.
الأزهر التاريخي وأزهر السلطة… رؤية متقابلة:
أولًا: الموقف من الاستعمار:
· الأزهر التاريخي: قيادة الثورات ضد الفرنسيين والإنجليز.
· أزهر السلطة: صمت تجاه القواعد الأمريكية والصهيونية.
ثانيًا: النفير والجهاد:
· الأزهر التاريخي: فتاوى بالجهاد العيني.
· أزهر السلطة: دعوات “ضبط النفس”.
ثالثًا: العلاقة بالسلطة:
· الأزهر التاريخي: رقيب شرعي.
· أزهر السلطة: مفتي السلطان.
رابعًا: العلاقة بالأمة:
· الأزهر التاريخي: التحام شعبي.
· أزهر السلطة: فجوة مع ضمير الشعوب.
رؤية الاستعمار × رؤية المقاومة :
أولًا: الشرعية:
· رؤية المقاومة: شرعية الحق والدفاع.
· رؤية الاستعمار: شرعية القوة والهيمنة.
ثانيًا: الإنسان:
· رؤية المقاومة: كرامة الإنسان.
· رؤية الاستعمار: الإنسان أداة.
ثالثًا: فلسطين:
· رؤية المقاومة: قضية مركزية.
· رؤية الاستعمار: عبء سياسي.
الخلاصة: مالكم كيف تحكمون؟
إن بيان الأزهر – بصيغته وتوقيته ومضمونه – لا يعبّر عن المنهج القرآني، بل عن خشية سياسية مغلّفة بلغة دينية. وقد أثبتت الوقائع أن الله يتم نوره، ولو كره الكافرون، فخرج من هذه الأمة من قام بالواجب: في اليمن، وفلسطين، ومحور المقاومة.
التاريخ لا يرحم، ودماء الأطفال لا تسقط بالتقادم، وسيُسجَّل أن علماء الموقف هم من انحازوا للحق، أما من سارعوا خوفًا من الدائرة، فمصيرهم الندم حين يأتي أمر الله.
خاتمة:
ليس الخلاف مع الأزهر ككيانٍ تاريخي، بل مع أزهرٍ فُصل عن رسالته،واستُخدم لإدانة من يقاوم، بينما صمت عن أكبر مجازر العصر.
والأمة التي تعرف تاريخها، تعرف جيدًا من هم ورثة الأنبياء… ومن هم علماء السلطان.
تنبيه ختامي:
هذا النقد يفرّق بوضوح بين مكانة الأزهر التاريخية، وبين الموقف السياسي الراهن لرموزه الرسمية التي ارتهنت للقرار الموالي للمشروع الأمريكي.

