ما جرى في الحازمية ليس زلّة مهنية، ولا حماسة صحافية زائدة، بل مشهد فاضح لانحدار خطير في وظيفة الإعلام. حين يندفع مراسل ومصوّر ومذيعة إلى تصوير شقة مستهدفة بهذا الإصرار، وبهذا الشغف التفصيلي، وإعلان اسم المستهدف على الهواء مباشرة، وكأنهم في مهمة “تأكيد إصابة الهدف”، فنحن لا نكون أمام إعلام… بل أمام أداء يلامس حدود التواطؤ.
أي مهنية هذه التي تُقاس بعدد اللقطات القريبة من موقع قصف؟ وأي “سبق صحافي” هذا الذي يطابق، حرفيًا، حاجة العدو إلى التحقق من نتائج عدوانه؟ ما شاهدناه ليس نقلًا للخبر، بل استكمالًا له. ليس تغطية، بل خدمة مجانية تُقدَّم على الهواء مباشرة.
الأخطر أن هذا السلوك لا يأتي في فراغ. إنه يتغذّى من بيئة إعلامية مأزومة، فقدت بوصلتها بين الإثارة والمسؤولية، وبين السبق والضمير. في هذه البيئة، يصبح الدم مادة بصرية، وتتحول السيادة إلى تفصيل ثانوي، ويُختزل “النجاح المهني” في القدرة على الاقتراب أكثر… ولو كان الثمن تعريض الناس للخطر أو خدمة سردية العدو.
لنكن واضحين: في لحظات الحرب، الصورة ليست بريئة. كل زاوية تصوير، كل تفصيل يُبث، كل معلومة تُنشر، قد تتحول إلى معطى استخباراتي. وعندما يُصرّ إعلامي على تقديم هذه المعطيات بهذه الدقة، وفي هذا التوقيت، فهو – شاء أم أبى – يضع نفسه في موقع يخدم فيه ماكينة العدوان.
هنا، لا يعود الحديث عن “حرية إعلام” بالمعنى النبيل، بل عن فوضى إعلامية تُشرّع الأبواب للاختراق. فالإعلام الذي لا يضع حدودًا بين حق المعرفة وأمن المجتمع، يتحول إلى أداة بيد من يملك القدرة على استغلاله. وهذه ليست مبالغة، بل حقيقة أثبتتها حروب كثيرة، حيث كانت الكاميرا أحيانًا أخطر من السلاح.
أما الادعاء بأن “الناس تريد أن ترى”، فهو تبرير ساذج. الناس تريد الحقيقة، نعم، لكنها لا تريد أن تكون جزءًا من لعبة استهداف تُدار على حسابها. ولا تريد إعلامًا يتصرّف كعينٍ إضافية للعدو، تُكمل ما تعجز عنه طائراته.
إن ما حدث في الحازمية يجب أن يُواجَه بإدانة صريحة، لا بتبريرات خجولة. يجب أن يُسمّى باسمه: انحراف خطير عن الدور الإعلامي، يرقى إلى مستوى التواطؤ المهني، إن لم يكن أكثر. فالمسألة لم تعد تتعلق بخطأ فردي، بل بنمط يتكرر، ويستدعي محاسبة حقيقية، داخل المؤسسات الإعلامية، وعلى مستوى الرأي العام.
في زمن العدوان، الحياد الأعمى خيانة، والتواطؤ جريمة. والإعلام الذي لا يدرك هذه الحقيقة، سيتحوّل – عاجلًا أم آجلًا – من ناقل للحدث إلى شريك في صناعته.
