العلم تحت مرمى الاغتيال: حين يتحول الباحث إلى هدف في بنك الأهداف الصهيوني
د.نبيلة عفيف غصن
لم يكن اغتيال الدكتور بزي والدكتور سرور داخل مكاتبهما في الجامعة اللبنانية حدثاً أمنياً عابراً، بل جريمة تحمل دلالات استراتيجية عميقة. فالعدو الصهيوني، حين يمد يده لاغتيال عالم في علم النانو وآخر متخصص في الفيزياء النووية، إنما يعلن بوضوح أن الحرب لم تعد فقط على الأرض أو الحدود، بل على العقل العلمي نفسه.
هذه الجريمة تكشف بوضوح أن المعركة التي يخوضها الكيان الصهيوني ضد شعب سورية الطبيعية ليست معركة جغرافيا فقط، بل معركة تفوق علمي ومستقبل تكنولوجي.
استهداف العقول: استراتيجية قديمة للهيمنة
التاريخ الصهيوني مليء بعمليات اغتيال العلماء. فمن اغتيال علماء البرنامج النووي العراقي في الثمانينيات، إلى استهداف العلماء في سوريا الشام، وصولاً إلى ملاحقة الكفاءات العلمية في الخارج.
المنطق بسيط وواضح:
إذا كان العدو عاجزاً عن احتكار العلم، فإنه يسعى إلى قتل من ينتجه.
في هذا السياق، يصبح اغتيال عالم في الفيزياء النووية وعالم في تقنيات النانو أكثر من مجرد عملية أمنية؛ إنه رسالة تقول إن أي محاولة لبناء قاعدة علمية مستقلة في المنطقة ستوضع تحت النار.
الجامعة اللبنانية في قلب المعركة
الجامعة اللبنانية ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل هي واحدة من آخر القلاع الأكاديمية الوطنية في لبنان. وهي، رغم كل الأزمات المالية والسياسية، ما زالت تنتج علماء وباحثين قادرين على الإسهام في ميادين حساسة من العلوم المتقدمة.
حين يُستهدف أساتذة داخل مكاتبهم في الحرم الجامعي، فإن الرسالة أخطر بكثير من اغتيال فردين. الرسالة هي:
ترهيب المجتمع الأكاديمي
ضرب الثقة بالمؤسسات الوطنية
إجهاض أي مشروع علمي مستقل
بمعنى آخر، الاغتيال لم يستهدف شخصين، بل استهدف فكرة أن تكون لدينا جامعة تنتج المعرفة السيادية.
لماذا النانو والفيزياء النووية؟
ليست صدفة أن يكون التخصصان المستهدفان هما الفيزياء النووية وعلم النانو.
فهذان المجالان يمثلان اليوم قلب الثورة العلمية العالمية:
الفيزياء النووية ترتبط بالطاقة المتقدمة والتطبيقات الاستراتيجية.
علم النانو هو أساس التقنيات المستقبلية في الطب والمواد والطاقة والأنظمة العسكرية.
أي مجتمع ينجح في بناء قاعدة علمية في هذين المجالين يضع قدمه على طريق الاستقلال التكنولوجي.
ولهذا السبب تحديداً تصبح هذه العقول هدفاً.
جريمة تكشف هشاشة الدولة
الأكثر خطورة في هذه الحادثة ليس فقط الجريمة نفسها، بل البيئة التي تسمح بحدوثها.
اغتيال علماء داخل مؤسسة أكاديمية وطنية يجب أن يهز الدولة بأكملها. لأن الدولة التي لا تستطيع حماية علمائها لن تستطيع حماية مستقبلها.
إن اغتيال بزي وسرور يطرح سؤالاً كبيراً:
هل تحولت الساحة اللبنانية إلى فضاء مفتوح أمام أجهزة الاغتيال الصهيونية؟
الشهداء الذين يكشفون طبيعة المعركة
رحل الدكتور بزي والدكتور سرور، لكن اغتيالهما كشف حقيقة أساسية:
المعركة مع العدو ليست فقط معركة صواريخ ودبابات، بل أيضاً معركة مختبرات وأبحاث وابتكار.
العدو يفهم ذلك جيداً.
ولهذا يقتل العلماء.
أما السؤال الحقيقي الذي يواجهنا اليوم فهو:
هل ندرك نحن أن بناء قوة الأمة يبدأ من حماية عقولها؟
لأن الأمة التي لا تحمي علماءها، تترك مستقبلها مفتوحاً أمام الاغتيال.
