تعيش منطقتنا اليوم لحظة فارقة في تاريخها الحديث. فالمشهد الإقليمي يشير إلى تحوّل عميق، تتجلى ملامحه في ساحات المواجهة كما في المنابر الدبلوماسية. ولعل أبرز ما يميّز هذه اللحظة هو شعور أبناء المنطقة بأنهم يقفون على أبواب نصر كبير، نصر على القوى العابرة التي جاءت من أصقاع الأرض محاولة فرض الهيمنة ونهب الثروات.
لكن النصر الحقيقي لا يُقاس فقط بما يتحقق في الميدان، بل بما نستطيع أن نبنيه فوقه. وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما هو واجب أبناء المنطقة للحفاظ على هذا النصر، وتطويره، وترجمته إلى مستقبل جديد؟

وحدة الهدف قبل وحدة الموقف

لقد آن الأوان لنتجاوز خلافاتنا التي استنزفت طاقاتنا لعقود طويلة. ليس المطلوب أن نتطابق، بل أن نمتلك القدرة على إدارة اختلافاتنا بعقلية المسؤولية المشتركة. فالمعركة التي نخوضها اليوم لا تحتمل التشتت، والفرصة التي أمامنا لا تتكرر كثيرًا.
إن التركيز على ما يجمعنا — تاريخ مشترك، ثقافة واحدة، مصالح متداخلة، وتحديات متشابهة — هو المدخل الطبيعي لبناء مرحلة جديدة. مرحلة يكون فيها الحوار هو وسيلتنا، والشراكة هي منهجنا، والمستقبل المشترك هو بوصلتنا.

فرصة لنكون أسياد أنفسنا

تمرّ المنطقة بمرحلة يعاد فيها تشكيل موازين القوى عالميًا. وفي خضم هذا التحوّل، تبرز فرصة نادرة لتكون شعوب المنطقة فاعلًا حقيقيًا لا تابعًا.
لقد أثبتت التجارب أن الاتكاء على القوى الخارجية — مهما بلغت قوتها — لا يصنع استقرارًا ولا يضمن سيادة. كما أثبتت الوقائع أن لا دولة في المنطقة، مهما كانت كبيرة، قادرة وحدها على حمل عبء المستقبل.
لا إيران وحدها، ولا تركيا وحدها، ولا مصر بمفردها، تستطيع أن تواجه تحديات الإقليم. وحدها الشراكة الإقليمية قادرة على بناء توازن جديد يحمي مصالح الجميع.

من النصر العسكري إلى مشروع نهضة

النصر الذي تلوح بوادره اليوم يجب ألا يبقى حدثًا عابرًا، بل أن يتحول إلى مشروع نهضة. وهذا يتطلب:

بناء منظومة تعاون اقتصادي حقيقي بين دول المنطقة

تعزيز الأمن الإقليمي عبر آليات مشتركة

الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا والبحث العلمي

حماية الثروات الوطنية من الاستنزاف

تطوير خطاب سياسي يعبّر عن مصالح المنطقة لا مصالح القوى الخارجية

إن تحويل النصر إلى نهضة هو التحدي الأكبر، وهو ما سيحدد شكل المنطقة لعقود قادمة.

مستقبل مشترك… أو لا مستقبل

أبناء هذه المنطقة يجمعهم أكثر مما يفرقهم:
تاريخ واحد، ثقافة واحدة، مصالح مشتركة، تحديات متشابهة، والأهم من ذلك مستقبل مشترك.
إما أن نصنعه معًا، أو سيُفرض علينا من الخارج كما فُرض علينا مرارًا في الماضي.
إن اللحظة التي نعيشها اليوم ليست مجرد حدث سياسي، بل منعطف تاريخي. وإذا أحسنّا استثمارها، فقد تكون بداية مرحلة جديدة تصبح فيها المنطقة لاعبًا لا ملعبًا، وصاحبة قرار لا موضوعًا لقرارات الآخرين.

سائد عساف
١٠ اذار ٢٠٢٦