سباق الصواريخ الأمريكي بين إرث الماضي وتحديات الحاضر: فجوة تتسع بين تكلفة الاعتراض وثمن التهديد
تواجه الولايات المتحدة اليوم واحدة من أعقد المعضلات العسكرية في تاريخها الحديث: منظومات صاروخية بُنيت على فلسفة تهديدات القرن الماضي، تُستنزف بسرعة غير مسبوقة أمام موجة جديدة من الأسلحة الرخيصة والمنتشرة بكثافة. وبينما تستمر واشنطن في تحديث ترسانتها، تكشف الحروب الحديثة عن فجوة خطيرة بين تكلفة إنتاج الصاروخ الأمريكي وثمن الهدف الذي يُفترض تحييده، ما يطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الردع والدفاع.
إرث صاروخي عمره عقود… وتكاليف تتضخم مع الزمن
معظم الصواريخ الأمريكية التي تشكل العمود الفقري للترسانة الحالية وُضعت تصاميمها الأساسية منذ عقود. بعضها يعود إلى السبعينيات والثمانينيات، أو حتى الستينيات. ورغم عمليات التحديث المستمرة، فإن هذه الأنظمة صُممت لحقبة كانت فيها التهديدات واضحة ومحدودة:
صاروخ باليستي واحد أو اثنان، عالي التكلفة، يشكلان خطراً تقليدياً أو نووياً.
في تلك البيئة، لم تكن تكلفة الاعتراض عاملاً حاسماً. فالدفاع عن المدن والقواعد الاستراتيجية كان يبرر إطلاق عدة صواريخ اعتراض على هدف واحد، مهما بلغ ثمنها. ومع ميزانيات دفاعية ضخمة، لم يكن أحد يتوقع أن تتغير معادلة الحرب بهذه السرعة.
لكن التكنولوجيا قلبت الطاولة.
تهديدات جديدة… رخيصة، كثيفة، ومرهقة للمنظومات الأمريكية
الحروب الحديثة، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، كشفت عن تحول جذري في طبيعة التهديدات. فبدلاً من الصواريخ الباليستية الباهظة، باتت الجيوش تواجه:
مسيّرات انتحارية منخفضة التكلفة
صواريخ كروز بدائية
أسراب هجومية تُطلق بالعشرات أو المئات
في المقابل، تعتمد الولايات المتحدة على صواريخ اعتراض تتراوح تكلفتها بين ملايين الدولارات للصاروخ الواحد. وهكذا أصبحت المعادلة الاقتصادية غير منطقية:
هدف رخيص جداً → اعتراض مكلف جداً → استنزاف سريع للمخزون.
هذا الخلل ظهر بوضوح في العمليات الأخيرة، حيث استُهلكت كميات ضخمة من صواريخ الاعتراض الأمريكية خلال أيام قليلة، ما كشف هشاشة المخزون الاستراتيجي الذي كان يُعتقد أنه يكفي لحروب طويلة.
خطوط إنتاج بطيئة… ومخزون يتآكل بسرعة
جزء كبير من المشكلة يعود إلى أن خطوط الإنتاج الأمريكية صُممت لإنتاج أعداد محدودة من الصواريخ سنوياً. فالعقيدة القديمة كانت تفترض أن الحاجة إلى هذه الصواريخ ستكون منخفضة، وأن المخزون المتراكم يكفي لسنوات.
لكن الواقع الجديد فرض معادلة صادمة:
ما تنتجه المصانع الأمريكية في عام كامل
يمكن أن يُستهلك في يوم أو يومين من العمليات المكثفة
هذا الخلل بين القدرة الإنتاجية ووتيرة الاستهلاك يضع الولايات المتحدة أمام تحدٍ استراتيجي غير مسبوق، خصوصاً مع اتساع رقعة التوترات العالمية.
التحديث لم يعد كافياً… لأن الفلسفة نفسها أصبحت قديمة
رغم مليارات الدولارات التي تُضخ سنوياً لتحديث الأنظمة القديمة، فإن المشكلة لم تعد في الإلكترونيات أو البرمجيات، بل في فلسفة التصميم نفسها.
فالمنظومات الحالية بُنيت للتعامل مع:
تهديدات قليلة
عالية القيمة
يمكن رصدها مبكراً
ويمكن إطلاق عدة اعتراضات ضدها
أما اليوم، فالمطلوب هو التعامل مع:
مئات الأهداف
منخفضة التكلفة
صغيرة الحجم
يصعب رصدها
وتأتي في موجات متزامنة
وبالتالي، فإن تحديث الأنظمة القديمة يشبه “ترقيع سفينة صُممت للإبحار في نهر، بينما يُطلب منها الآن مواجهة أمواج المحيط”.
خاتمة: مأزق بين الحاضر والمستقبل
رغم إدراك الولايات المتحدة لحاجتها إلى منظومات دفاعية جديدة منخفضة التكلفة وسريعة الإنتاج، فإن هذه الأنظمة غير موجودة حالياً في صورتها العملياتية. واستحداثها يتطلب سنوات طويلة من البحث والتطوير والاختبار قبل دخولها الخدمة. ومع سرعة تطور التهديدات، هناك احتمال حقيقي أن تصبح هذه الأنظمة قديمة لحظة ولادتها.
لذلك تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة، في الوقت الراهن، إلى الاستمرار في إنتاج وتشغيل الأنظمة الحالية رغم تكلفتها العالية وعدم ملاءمتها الكاملة لطبيعة التهديدات الحديثة، في انتظار جيل جديد من الدفاعات قد يطول وصوله.
د سائد عساف
٤ اذار ٢٠٢٦
