إسرائيكا

مروان عبد العال

إسرائيكا ليست دولةً ولا مجرّد تحالف؛ إنها مجازٌ لبنيةِ قوّةٍ واحدةٍ تتوزّع أدوارها: عقلٌ يخطّط في واشنطن، وذراعٌ تنفّذ في تل أبيب، وخطابٌ يُعاد تدويره إلى العالم مغلّفًا بمفردات القيم. ما يُقرَّر هناك يُختبر هنا، ثم يُسوَّق باعتباره دفاعًا عن النظام الدولي. ليست سياسةً بالمعنى التقليدي، بل نمطَ سلطةٍ يعمل كجهازٍ حيّ: يتغذّى على فائض القوّة، ويستمرّ بقدر ما يُحسن إدارة الصورة.

إسرائيكا في زمن «نظام التفاهة» الذي وصفه آلان دونو، لا تحتاج طغاةً صاخبين؛ يكفيها مديرو أداء بوجوهٍ هادئة يوقّعون على الخراب كما لو كانوا يحدّثون جدول بيانات. الحروب تمرّ كإجراءات امتثال، والعقوبات كتصحيح مسار، والاغتيالات كبنودٍ في دفتر الخيارات. يتكلمون عن الحوكمة وحقوق المرأة والطفل، ثم يطلبون تصفيقًا لآلةٍ لا ترى في البشر إلا أرقامًا قابلة للإدارة.

إسرائيكا كما تكشفها قضية جيفري إبستين، تُجيد إدارة الفضائح لا إخفاءها. تتحوّل الانتهاكات إلى شبكات نفوذ، والعار إلى ورقة ضغط، والابتزاز إلى تقنية حكم. هنا يُعاد تعريف الإنسان: الطفل معادلة أمنية، والمرأة مادة خطاب، والضحايا مؤشرات في بورصة الدم. الأخلاق لا تُعدم فجأة؛ تُفرَّغ من معناها وتُعرض للبيع في سوق الرموز، بينما الإعلام يختصر الألم في وثائق مختومة ويسأل ببرود: أين الدليل؟

إسرائيكا تتكلم السلاح لغةً أمًّا، وتتقن ارتداء السلام قناعًا أنيقًا. تزويد إسرائيل بأسلحةٍ فتاكة، مقرونًا بحمايتها دبلوماسيًا في المحافل الدولية، لا يصنع “تواطؤًا” فحسب بل شراكةً كاملة في هندسة القوّة. الديمقراطية عنوانٌ في ديكورٍ متنقّل: تُرفع عند الحاجة وتُطوى عند المساءلة. ومن يصرّ على التسمية الدقيقة — إبادة، استعمار، جرائم حرب يُتَّهم بتهديد “النظام الأخلاقي”، أي النظام الذي لم يعد أخلاقيًا أصلًا.

إسرائيكا هي رمز الحرب ، شعار الموت المتواصل وامبراطورية الشر التي لا تشبع من الحرب؛ كلُّ جولةٍ تجرّ أختها كما لو أنّ العنف خطّ إنتاجٍ لا يتوقف. العدوان يصير سياسةً دائمة، واغتيال القادة ويُذكر بينهم المرشد الإيراني الامام الخامنئي .. يُقدَّم كبندٍ عادي، على مدار الكرة الأرضية من فانزويلا الى كوبا مرورا بلبنان الى ايران والبقية تأتي، ينتهك الاخلاق والضمائر والانسانية قبل ان يكون خرقاً للقانون الدولي ، بل ان قانون الغاب يتحول نظام معتمد للعنف و القوة والبلطجة و التآمر واللعب بالأنظمة، الذي يُسوَّق باعتباره “إعادة ترتيبٍ إقليمي”. هكذا تتحوّل الكارثة إلى إجراء، والدم إلى تقرير، والإنسان إلى ملفّ يُستثمر لإطالة عمر آلة القتل الامبريالية المتوحشة.

إسرائيكا ليست مجرد شعارٍ أو كيان سياسي؛ إنها مرآة تكشف الطبيعة الحقيقية للهيمنة العالمية، حيث تتحوّل العظمة من حماية حياة البشر إلى فرض التفوّق بالقوة والهيمنة. حين يُرفع “دعوا أميركا عظيمة مجددًا”، يُكشف في الواقع عن مشروع أوسع: جعل إسرائيل الكبرى حقيقة ، او أقله محورًا يُعاد ترتيب الإقليم والعالم من حوله، كفعل عدواني يغتصب كل شعوب المنطقة على طريقة اغتصابات جيفري ابستين ، هكذا يستعاد تشكيل القيم والموازين. بين ترامب ونتنياهو ليس تعاونًا ولا ازدهارًا مشتركًا، بل تفوّقٌ يُفرض كقيمةٍ كونية، يُسوّق للعالم كحقٍّ طبيعي، ويعيد تعريف السياسة والأخلاق بما يخدم استمرار آلة السيطرة بلا مساءلة، بلا ضمير، وبلا رحمة.
👇🏼
مفكرة العدد الجديد من مجلة الهدف

🔴عدد فبراير / شباط، العدد (1554) بالتسلسل العام والثّمانون رقميًا
03/03/2026 عدد فبراير / شباط، العدد (1554) بالتسلسل العام والثّمانون في النسخة الرقمية…