في البدء لم يكن جبل عامل صخرًا، بل سؤالًا معلّقًا بين الأرض والسماء.
كيف يصير التراب قدرًا؟
منذ سال الدم في كربلاء لم يعد الدم لونًا، بل صار فكرة. هناك، حين وقف الحسين بن علي وحيدًا كآيةٍ في وجه السيف، انشقّ التاريخ.
شطرٌ للسلطة، وشطرٌ للحق. ومنذها صار كل جبل امتحانًا.
فهم الجبل الإشارة.
مرّت العثمانية تريد الطاعة، ومدّ الفرنسي يده النتنة ليعيد رسم الذاكرة، وزحف الصهيوني لا ليأخذ حدودًا بل ليقتلع الجذور. لكن الجبل لم يكن ترابًا لينًا، بل ذاكرةً متحجّرة. كل حجر فيه يعرف أن الحسين مرّ هنا فكرةً لا جسدًا.
في هذا المكان، الاستشهاد ليس سقوطًا بل انزياح. الشهيد لا يُدفن، يزرع نفسه. وحين يمتزج الدم بالتراب يولد لون ثالث، لون الفجر حين يتردّد بين الاشتعال والظهور.
نساء الجبل لا يبكين بانكسار المدن، بل بصلابة الأشجار في العاصفة. يعرفن أن الفقد امتحان، وأن الوجع إن لم يتحوّل موقفًا خان الدم.
هكذا ظلّ الجبل.
ليس ساحة حرب، بل مختبر قدر. كل محاولة لتحويل الإنسان ظلًا كانت تنتهي بأن يصير الظل نارًا.
ولا تنتهي الحكاية بصرخة، بل بأفقٍ محمّرٍ بما يكفي ليذكّر الطغاة أن الفكرة التي وُلدت في كربلاء لا تموت، بل تبحث دائمًا عن جسد جديد.
عبدالله عبدالله/باريس