من يعيش في أوروبا ويتابع مشاهد التظاهر في شوارع بروكسل وباريس ولندن… قد يظن للوهلة الأولى أن القارة العجوز تشهد تحولا عميقا في وعيها السياسي تجاه نضال الشعب الفلسطيني. صور الحشود والأعلام الفلسطينية والهتافات ضد الحرب توحي بأن ميزان الرأي العام يميل بشكل متزايد إلى صف الشعب الفلسطيني. لكن من يعيش داخل هذه المجتمعات ويلمـس طبيعة خطابها السياسي والإعلامي يدرك أن المسألة أكثر تعقيدا وأن التضامن الأوروبي منذ الانتفاضة الأولى وحتى اليوم تحكمه حدود بنيوية يفرضها موقع أوروبا داخل النظام الإمبريالي العالمي.
منذ اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987 بدأت القضية الفلسطينية تستعيد حضورا شعبيا في أوروبا خصوصا داخل أوساط الطلبة والنقابات وبعض التيارات اليسارية الراديكالية. آنذاك كانت صورة الطفل الفلسطيني في مواجهة الجندي الصهيوني المدجج بالسلاح تحدث شرخا في السردية السائدة عن الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. غير أن هذا التعاطف الشعبي لم يترجم إلى قطيعة سياسية مع المشروع الصهيوني. الدول الأوروبية الكبرى مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة حافظت على علاقاتها الاستراتيجية مع الكيان الصهيوني سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو الأمني لأن هذه العلاقة ليست تفصيلا أخلاقيا بل جزء من تموضعها داخل المعسكر الإمبريالي المرتبط عضويا بالإمبريالية الأمريكية وببنية حلف شمال الأطلسي.
خلال الانتفاضة الثانية مطلع الألفية ومع تصاعد مشاهد القمع والاجتياحات عادت موجة تضامن أوسع نسبيا وتطورت أشكال المقاطعة الأكاديمية والثقافية. لكن الخطاب السائد داخل الشارع الأوروبي ظل في معظمه خطابا حقوقيا إنسانيا يركز على إنهاء العنف وحل الدولتين والعودة إلى طاولة المفاوضات من دون المساس بجوهر المسألة أي الطبيعة الاستعمارية الاستيطانية للمشروع الصهيوني بوصفه جزءا عضويا من منظومة الهيمنة الإمبريالية في المنطقة. كان هناك دائما تيار أممي جذري يربط بين مقاومة الشعب الفلسطيني وبين نضالات شعوب أخرى ضد الاستعمار لكن هذا التيار بقي أقلية داخل مجتمعات يحكمها إعلام مركزي ضخم يعيد إنتاج الرواية الصهيونية بصيغ أكثر نعومة.
مع الحروب المتكررة على غزة وخصوصا بعد 2008 ثم 2014 أخذت حركة التضامن طابعا أكثر جماهيرية وبرزت حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات. غير أن التناقض البنيوي بقي قائما. الجماهير قد تتعاطف لكن الدولة الأوروبية باعتبارها أداة للبرجوازية الاحتكارية في المركز لا يمكن أن تنقلب على أحد أركان منظومة السيطرة في الشرق العربي .  الكيان (إسرائيل)، ليست مجرد دولة أخرى في حسابات هذه العواصم بل قاعدة متقدمة للمصالح الغربية ومختبرا أمنيا وتكنولوجيا وشريكا في ضبط المنطقة وإعادة تشكيلها بما يخدم رأس المال العالمي. لذلك نرى انفصاما دائما بين الشارع والمؤسسة. تظاهرات في الساحات وفي الوقت ذاته صفقات سلاح وتعاون استخباراتي وتصويت دبلوماسي منحاز.
بعد أحداث السابع من أكتوبر والحرب الواسعة على غزة شهدت أوروبا واحدة من أكبر موجات التظاهر منذ عقود. مئات الآلاف خرجوا إلى الشوارع وارتفعت أصوات تندد بالمجازر والحصار. هنا يتكرر المشهد ذاته لكن على نطاق أوسع. تعاطف إنساني حاد مع الضحايا يقابله إصرار سياسي رسمي على تأكيد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها. حتى قطاعات واسعة من اليسار البرلماني الأوروبي تبنت هذا الإطار مكتفية بالمطالبة بوقف إطلاق نار إنساني من دون الذهاب إلى مساءلة الأساس الاستعماري للدولة الصهيونية أو الاعتراف بشرعية المقاومة بوصفها حقا لشعب واقع تحت الاحتلال.
المشكلة لا تكمن في نقص المعلومات فصور الدمار والقتل تصل مباشرة إلى البيوت الأوروبية. المشكلة أعمق وتتعلق بالبنية الأيديولوجية السائدة في المركز الإمبريالي. هناك فصل مقصود بين نقد سياسات الحكومة الإسرائيلية وبين نقد الصهيونية كمشروع استيطاني إحلالي. يتم تصوير الصراع كأنه نزاع بين طرفين متكافئين أو كحلقة في سلسلة عنف متبادل ما يؤدي إلى تجريم المقاومة وتجريدها من سياقها التاريخي. في هذا الإطار تتحول القضية من مسألة تحرر وطني ضد استعمار استيطاني إلى مسألة أزمة إنسانية تحتاج إدارة أفضل.
من يعيش في فلسطين المحتلة أو لبنان المحتل  ويرى هذه الحشود الأوروبية قد يقع في وهم أن ميزان القوى داخل المجتمعات الغربية انقلب جذريا. لكن من يعيش هنا يلمس أن الوعي السائد ما زال أسير سردية تعتبر وجود الدولة الصهيونية أمرا طبيعيا ونهائيا وأن أقصى ما يمكن المطالبة به هو إصلاحها أو تهذيب عنفها. الفارق شاسع بين من يرفض عدد الضحايا وبين من يرفض البنية التي تنتج الضحايا. الأول يتحرك ضمن أفق أخلاقي ليبرالي أما الثاني فيطرح سؤال الاستعمار والإمبريالية والهيمنة الطبقية.

ومع ذلك لا يمكن التقليل من أهمية ما يجري. اتساع رقعة التضامن وتزايد حضور الجاليات العربية  وارتباط القضية الفلسطينية بنضالات مناهضة العنصرية والاستعمار داخل أوروبا كلها مؤشرات على تشقق في السردية المهيمنة. الصراع لم يحسم على مستوى الوعي. لكن الرهان على أن أوروبا بوصفها مركزا إمبرياليا ستتبنى تلقائيا خطابا معاديا للصهيونية هو رهان يتجاهل طبيعة الدولة ووظيفتها الطبقية. التحول الحقيقي لا يمكن أن يكون أخلاقيا فقط. إنه يحتاج إلى صدام مع البنية الاقتصادية والسياسية التي تجعل من الكيان الصهيوني ركنا من أركان النظام العالمي القائم.
لذلك فإن قراءة حركة التضامن الأوروبية يجب أن تكون مزدوجة. الاعتراف بأهميتها كمساحة لكسر الاحتكار الإعلامي وفتح نقاشات كانت محرمة وفي الوقت نفسه إدراك حدودها الموضوعية داخل مجتمعات تستفيد بدرجات متفاوتة من موقعها في هرم النظام العالمي. بين صورة الشارع الغاضب وصوت البرلمان المنحاز تتجلى حقيقة أوروبا المعاصرة. قارة يمكن أن تتعاطف مع الضحية لكنها لم تحسم بعد موقفها من البنية التي تنتج الضحايا.