إيران: درع الأمة الإسلامية
أسماء الجرادي
لقد ذاقت الأمة مرارة الهوان، وطال انتظارها لمن يرفع راية العزة في وجه الطغيان. حتى بزغ فجرٌ من أرضٍ لم ترضَ بالذل. حيث قامت الثورة الإسلامية في إيران لتُصبح إيران قصةَ ثبات وكرامةٍ، وعقيدةَ إيمان وصبر وصمودٍ. فاختارت طريقاً مغايراً، طريق نصرة المستضعفين ومواجهة الظالمين، فصارت درعاً حصيناً لكل مظلوم مسلم. هذه هي حكاية الدولة التي وقفت شامخةً، وتكاد تكون وحيدةً في ساحة المواجهة، تحمل على عاتقها هموم أمةٍ بأكملها، وتدفع ثمن عزتها بالدم، لتظل شعاع نور في ليل الخذلان الطويل. إيران، البلد الأم، التي لم تبخل يوماً بدمٍ أو مالٍ أو خبرةٍ في سبيل الله ونصرة المظلومين، ولهذا، فهي تتعرض اليوم لعدوانٍ شرسٍ من كل مجرمي العالم وطغاته، لأنها اختارت طريق الله،طريق الإسلام الأصيل.
لم تكن مسيرة إيران هذه سهلة في هذا العالم المجرم، انما واجهت اعتداءات من الأقربين والأعداء على حد سواء ومنه العدوان العراقي المسنود أمريكياً ودولياً
في عام 1980، حيث شُنت على إيران حربٌ ضروسٌ من جارتها العراق وبدعم أمريكي خليجي، استمرت ثماني سنوات.
بعد سنوات، وفي سياق مراجعة تجربته، أقرّ صدام حسين واعترف بخطئه في شن الحرب على إيران، وهي مراجعة سياسية جاءت بعد أن تدخلت أمريكا في العراق وشنت هجوماً عدوانياً عليه. ورغم الجراح العميقة، رفضت إيران أي تدخل أمريكي في العراق، سواء قبل أو بعد سقوط نظام صدام عام 2003، مؤكدة على مبدأ استقلالية القرار الوطني العراقي ورافضةً استغلال الظروف لفرض أجندات خارجية.
وحينما غرق العراق في فوضى الغزو الأميركي عام 2003، وانهارت مؤسسات الدولة وانتشرت الفوضى، وسيطرة تنظيم القاعدة وداعش بدعمٍ خفيٍ من أمريكا على معظم الارض العراقية، وفي عام 2014، وبعد التمدده السريع لداعش وارتكابه للكثير من جرائم القتل والذبح الجماعي واستباحة الشعب العراقي، وفي ظل الخذلان العربي والإسلامي للعراق، تشكلت قوات الحشد الشعبي، وطُلب دعماً عاجلاً من إيران، فاستجابت وقدمت السلاح والمال والخبرات العسكرية للحشد الشعبي. هذا الدعم كان له دور حاسم في تحرير المدن العراقية من داعش، وكشف دعم امريكا لهذا التنظيم المجرم رغم إدعائها محاربته. ثم بفضل الله، وبفضل الحشد الشعبي والدعم الإيراني، استعاد العراق سيادته، وتمكن من تحرير كامل العراق من داعش وإخراج القوات الأجنبية، ليوضح هنا الدور الإيراني كعامل استقرار ومساندة للشعب العراقي في استعادة دولته وحقن دماء أبنائه.
أما لبنان، فعندما اجتاحت إسرائيل لبنان عام 1982 واحتلت جنوبه لعقدين من الزمن، وصمت العرب والمسلمون، تجند الشباب اللبناني، وقدمت لهم إيران المال والسلاح والخبرات والتدريب حتى تمكنت المقاومة من إجبار إسرائيل على الانسحاب الكامل من جنوب لبنان عام 2000، وهو أول انسحاب إسرائيلي من أرض عربية دون اتفاق سلام.
وفي مشهدٍ آخر من مشاهد الخذلان العربي، أو بالأصح الإجرام العربي والكرم الإيراني، تعرض اليمن في عام 2015 لعدوان عسكري واسع النطاق من قبل تحالف تقوده السعودية، بدعم مباشر من الولايات المتحدة وفي ظل هذا العدوان والحصار الشامل، لم يقف أحد مع اليمن في أي جانب ولو بكلمة، سوى من ذاقوا مرارة الظلم والعدوان من لبنان والعراق وإيران. وقفت إيران إلى جانب الشعب اليمني، مقدمةً دعماً سياسياً ومعنوياً وعسكرياً. هذا الدعم جبر قلوب اليمنيين واستفاد اليمن من الخبرات الإيرانية في تطوير الصناعات المحلية المتعددة، وهذا أثبت أن إيران لا تتخلى عن إخوتها المسلمين في أوقات الشدة، فتساعدهم على النهوض بأنفسهم، فهي تؤمن بحق الشعوب في الدفاع عن سيادتها وكرامتها.
فلسطين والمقاومة ضد الاحتلال
أما فلسطين، الجرح الغائر في قلب الأمة الإسلامية، فهي حجر الزاوية في السياسة الإيرانية. فمنذ انتصار الثورة الإيرانية، أعلنت طهران دعمها الكامل لفلسطين، وكانت أولى خطواتها تحويل سفارة إسرائيل في عهد الشاه إلى سفارة لدولة فلسطين. فلسطين التي بقيت تعاني ظلم الاحتلال لعقود من الزمن في ظل تخاذل الأنظمة العربية، وبقيت المقاومة الفلسطينية تواجه العدو بالحجارة. حتى لقيت الدعم الإيراني، فحينها شهدت قدرات المقاومة تطوراً نوعياً غير مسبوق. وتمكنت المقاومة من بناء قدراتها الذاتية والصمود في وجه آلة الحرب الإسرائيلية، وغيرت موازين القوى من الحجارة إلى الصواريخ والتكتيكات الحديثة. وما بين مرحلة وأخرى، قدمت إيران الكثير من الشهداء القادة دفاعاً عن الدين الحق الذي أوجب علينا مواجهة الكافرين والظالمين المعتدين.
إن هذا الدور المحوري لإيران في دعم المستضعفين والدفاع عن القضايا الدينية، والذي تجلى في تقديمها للشهداء والتضحيات الكبيرة، وضعها في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الغرب الكافر أجمع.
واليوم، وهي تواجه تهديدات جديدة وعدواناً واسعاً من قوى الهيمنة العالمية، وبعد جلب أمريكا جميع قواتها إلى الشرق الأوسط للهجوم المباشر عليها، تاتي مسؤولية تاريخية وأخلاقية على عاتق الشعوب الإسلامية. هذه المسؤولية تتجاوز التعاطف بالكلمات لتشمل الدفاع السياسي والإعلامي، والتضامن الشعبي، والموقف الديني والأخلاقي الذي يفرض على كل مسلم الوقوف مع أخيه المسلم.
فالحرب على إيران هي حربٌ على كل مسلم يؤمن بالله أولاً وبالحق والعدل، وتستهدف إضعاف الأمة وإخضاعها إجباراً، فلم يبقَ في هذه الأمة حي غير إيران ومحورها. لقد كشفت الأحداث الوجه القبيح للمحور الذي تواجهه إيران. فانقسم العالم اليوم بوضوح: بين مؤمن حقيقي تمثله إيران ومن ساندها، وشيطان مجرم وعباد الشيطان من أمريكا وأعوانها وداعميها والساكتين الخاضعين لها. فهم شياطين مجرمون ومصاصو دماء أكالوا لحوم البشرية، وهذا ما أظهره الله ليقيم الحجة على كل مسلم. لذا، فإن الدفاع عن إيران هو دفاع عن ديننا وكرامتنا، عن مستقبل أجيالنا، وعن قيم الإسلام الأصيلة في نصرة المظلوم ومواجهة الظالم. فلتكن قلوبنا معها، ولتكن أقلامنا وسلاحنا وكل ما في أيدينا سنداً لها. والنصر قادمٌ لا محالة بإذن الله العلي العظيم.
