لماذا الدستور؟
وهل هو إنجاز ام عبء على شعبنا ؟

د. نبيل عبد الرازق

يجري اليوم حوار واسع ونقاشات حول إعلان مسودة دستور دولة فلسطين المنشودة، توقيتا وشكلا، ومضمونا، ويبرز تساؤل جوهري هو الاهم : فهل من الممكن الحديث عن دستور قبل قيام الدولة فعلياً؟
في الواقع، فإن غياب العديد من مقومات الدولة يجعل من الحديث عن دستور أمراً سابقا لأوانه. فحتى الآن، لم تُعلن دولة فلسطين على ارض الواقع، ولا تزال الحدود كلها مسيطر عليها من الإسرائيليين وهي غير محددة ، فهناك حدود ٦٧ وهناك حدود التقسيم الذي تبنته وثيقة الاستقلال، ولا توجد عملة فلسطينية، ولا مطار، ولا نظام جمركي يربط الفلسطينيين بالعالم. كما أن قضايا حيوية مثل التصدير والاستيراد كلها خارج سيطرة الفلسطينيين… وكيف سيحمي الدستور المواطنين بينما الاحتلال يقتحم ويهدم ويقتل ويعتقل ولا جيش او قوة تواجهه؟
وفي هذا السياق، نجد مثالاً مهماً في دولة الاحتلال “إسرائيل”، التي رغم أنها دولة قائمة منذ عقود، إلا أنها لم تعتمد دستوراً حتى الآن. “إسرائيل” ترفض أولاً أن تحدد حدودها بشكل نهائي، وهذا يخلق حالة من الغموض القانوني. إضافة إلى ذلك، هناك خلاف عميق حول مفهوم “من هو اليهودي” ومن يحق له أن يكون مواطناً في الدولة. هذا الخلاف حول الهوية يعيق وضع إطار دستوري متكامل، لأن الدستور يتطلب وضوحاً في تعريف مواطني الدولة وحدودها.
إلى جانب ذلك، يعيش الفلسطينيون اليوم مرحلة التحرر الوطني، بمعنى أن الوطن ما زال محتلاً، وهم يخوضون كافة أشكال النضال من أجل تحريره، وفقاً للقانون الدولي. وبالتالي، لا يستطيع الفلسطينيون أن يلزموا أنفسهم بدستور وقوانين دولية على أساس أنهم دولة مستقلة، خاصة وأنهم يفتقدون للكثير من المقومات التي تعطيهم حرية الحركة والحكم وبناء مؤسساتهم. هذه قضية جوهرية، إذ إن النضال من أجل التحرر يسبق أي نقاش حول الدستور، لأن الحقوق الوطنية للفلسطينيين لا ترتبط بوجود دستور او دولة معلنة على الورق منقوصة المقومات والصلاحيات ، بل بالحق في التحرر اولا وفق القانون الدولي ، بينما سيكون الدستور عبئا على النضال من اجل التحرر بما قدمه من إلتزامات ظالمة، وتنازلات احادية الجانب للعدو تفقد الفلسطينيين اوراقا كثيرة كانوا قد تنازلوا عنها مسبقا..
ومن المؤسف أن يذهب الرئيس الفلسطيني إلى موضوع إعداد دستور في هذا الظرف الصعب الذي تمر به الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث نرى تغولاً إسرائيلياً كبيراً، وقرارات إسرائيلية بمصادرة الأراضي وضم الضفة، وهناك مخاوف من التهجير، وهجمات كبيرة من قبل المستوطنين واعتداءات على المواطنين واملاكهم.
كذلك، يبدو واضحاً تماماً أن فكرة إعداد دستور هي شكل أو انعكاس للإصلاحات التي تطلبها الدول الأوروبية والدول المانحة، في الضغط على الفلسطينيين وابتزازهم لمزيد من التنازلات، كما تم الضغط في موضوع المناهج، وموضوع الأسرى، والتنازل عن الرواية الفلسطينية، وتزييف الجغرافية والديموغرافية وتاريخ الشعب الفلسطيني، وإلى آخره. وفي هذا السياق، فإن وثيقة الاستقلال التي اعتمدها المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر عام 1988، تحدثت عن القرار 181، وتحدثت أيضاً، وما زال الموقف الفلسطيني يؤكد على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، طبقاً للقرار 194. فكيف يمكن الحديث اليوم عن دستور دون الحديث عن هذه القضية، ودون الاهتمام بتطبيقها؟ كيف يمكن الالتزام بحدود مع دولة مجاورة مثل” إسرائيل”، التي ترفض الاعتراف بحقوق الفلسطينيين وترفض عودة اللاجئين إلى بيوتهم واراضيهم ومدنهم وقراهم التي هجروا منها عامي 48 و49، بينما القانون الدولي يضمن للاجئين هذا الحق؟
إن الدستور ليس مجرد وثيقة رمزية، بل هو تحديد للحدود، وتحديد للعلاقات مع الدول المجاورة ، وهو هوية والتزامات وحقوق وواجبات وصلاحيات ما زلنا لا نمتلكها، وبدون هذه المقومات الأساسية، يبقى الحديث عن دستور ضرباً من الخيال. لذا، فإن الخطوة الأولى يجب أن تكون إعلان الدولة على أرض الواقع، وبعد ذلك فقط يمكن الحديث عن دستور يحدد معالم الدولة ويضمن مقومات بقائها.