خطاب على حافة التناقض… بين استعراض القوة واعتراف العجز

بقلم:فاتنة علي،لبنان/سوريا الكبرى

صعد دونالد ترامب إلى منصة الكونغرس وسط حملة ترويج ضخمة أوحت بأن العالم على موعد مع خطاب استثنائي، وأن ملف الحرب مع إيران سيكون في صدارة المشهد. لكن ما قُدِّم فعليًا لم يكن سوى عرض سياسي مضطرب، غلب عليه الطابع الدعائي الداخلي، فيما تراجعت القضايا المصيرية إلى الهامش.
بدلًا من خطاب حاسم يبدد الغموض حول التصعيد العسكري في المنطقة، انشغل ترامب بسرد إنجازات جزئية، متفاخرًا بخفض أسعار البيض، ومكررًا أسطوانة أنه ورث الحروب والفساد والأزمات من الإدارات السابقة. خطاب يقوم على تحميل الماضي كل الإخفاقات، والتنصل من تبعات الحاضر، وكأن المسؤولية السياسية تُورَّث ولا تُمارَس.
المعضلة التي يتجنبها الخطاب واضحة: الولايات المتحدة حشدت قواتها، ورفعت منسوب التهديد تجاه إيران. التراجع الآن سيُقرأ ضعفًا استراتيجيًا، والمضي في الحرب يعني فتح أبواب مواجهة مكلفة ومحفوفة بالمخاطر. القواعد الأمريكية في الخليج، من العتيد في قطر إلى مواقع أخرى، تقع ضمن نطاق الاستهداف الإيراني. وتجربة العراق ما زالت شاهدًا على أن الحروب لا تُخاض بالشعارات، بل تُقاس بكلفتها البشرية والسياسية والاقتصادية.
فهل يملك ترامب خطة واضحة؟ أم أن التصعيد كان مجرد ورقة ضغط إعلامية؟ الخطاب لم يقدم إجابة، بل اكتفى بتمنيات حول الحلول التفاوضية، مقرونة بوعود بعدم السماح لإيران بتطوير برنامجها النووي. بين التهديد والتمني، بدا الموقف الأمريكي متأرجحًا.
اقتصاديًا، تحدث ترامب عن تأمين استثمارات بقيمة 18 مليون دولار خلال عام واحد، وعن حصوله على 80 برميل نفط من “شريك جديد” في فنزويلا. أرقام بدت متواضعة قياسًا بحجم الاقتصاد الأمريكي، وأقرب إلى محاولة لتضخيم إنجاز محدود في ظل تحديات اقتصادية أعمق.
ثم جاءت المفارقة حين وصف الولايات المتحدة بأنها كانت “دولة ميتة” وأصبحت الآن “الأروع والأكثر جاذبية في العالم”. هذا الانتقال الحاد من صورة الانهيار إلى صورة المجد الكامل لا يعكس قراءة موضوعية للواقع، بل خطابًا تعبويًا يخاطب القاعدة الانتخابية أكثر مما يخاطب الحقائق.
وفي ملف الفساد، أعلن ترامب عزمه شن حرب عليه، في وقت ما تزال فيه تداعيات قضايا مثيرة للجدل، مثل قضية جيفري إبستين، حاضرة في الذاكرة السياسية والإعلامية. المفارقة هنا ليست في الاتهامات بحد ذاتها، بل في التناقض بين خطاب التطهير وصورة الاستقطاب الحاد التي يعيشها الداخل الأمريكي.
أما طلبه من الكونغرس إقرار قانون يمنع المهاجرين غير النظاميين من التصويت، فقد عكس قلقًا انتخابيًا واضحًا. فبدل أن يُقدَّم كإصلاح تشريعي متكامل، جاء في سياق تعبوي يعمّق الانقسام. وقد سارعت قيادات ديمقراطية، من بينها حاكمة ولاية فيرجينيا، إلى اتهامه بتضليل الرأي العام وعدم تقديم حلول عملية تخدم الأمريكيين.
وفي الخلفية، تستمر الحرب بين روسيا وأوكرانيا لعامها الرابع، وسط حديث زيلنسكي عن تغير في الاستراتيجية الروسية ، ومع ذلك، لم يحظَ هذا الملف بحضور يتناسب مع خطورته، ما عزز الانطباع بأن الأولوية في الخطاب كانت للصراع الداخلي لا للمشهد الدولي.
في المحصلة، لم يكن الخطاب إعلان نصر كما أراد أنصاره، ولا مجرد زلة لسان كما يقول خصومه، بل كان مرآة لأزمة أعمق: ارتباك بين صورة القوة التي يسعى إلى ترسيخها، وحدود القدرة الفعلية على اتخاذ قرار مكلف.
“حين يتحول المنبر إلى ساحة تبرير، وتغدو الشعارات بديلًا عن الاستراتيجية، يصبح ارتفاع الصوت محاولة لإخفاء فراغ المعنى، لا دليلًا على صلابة الموقف.”