في تصريحٍ شُباطيٍّ بارد، خرج مايك هاكابي، السفير الأميركي المعتمَد لدى الكيان، عن اللياقة الدبلوماسية المألوفة، حين أشار إلى تقبّل فكرة بسط “إسرائيل” سيادتها على أراضٍ تعود لدول عربية، بما في ذلك الضفة الغربية المحتلة. لم يكن الكلام زلّة عابرة، وإنما إشارة سياسية ثقيلة الوطأة، توحي بأنّ ما كان يُتداول في الغرف المغلقة صار يُقال على المنابر. في لحظةٍ إقليمية شديدة الحساسية.
بدا التصريح كأنه نقل الاحتمال التوسعي الإسرائيلي من دائرة الظنّ إلى دائرة الطرح العلني، فاتحاً باباً واسعاً أمام أسئلة تتعلّق بمستقبل الحدود، وموقع القانون الدولي، وحدود الانحياز الأميركي في نزاعٍ لم يهدأ منذ عقود.
وفي مساءٍ شُباطيٍ بارد، خرج بيانٌ طويل من عمّان. لم يكن البيان مرتفع الصوت، ولم يكن خفيضه. كان أقرب إلى تنفّسٍ جماعيٍّ لدولٍ تضع أيديها على أقفاصها الصدرية لتتأكد أنّ القلوب ما زالت في أمكنتها المعتادة.
في تلك اللحظة، بدا كأنّ الجغرافيا نفسها تُطوى كما تُطوى خرائط قديمة انتهت صلاحيتها. أفول مرحلة الجغرافيا يتمّ بصمت، فيما تتقدّم اليوتوبيا بخطواتٍ حذرة، لا كحلمٍ طاهر، وإنما كتصوّرٍ صلبٍ يريد أن يفرض شكله على تضاريس المشرق العربي برمّته.
منذ عقود، كان الصراع العربي ـ الإسرائيلي يُقاس بالكيلومترات، بالمرتفعات والأنهار وخطوط الهدنة. كانت الأرض تُرى وتُلمس، وكان النزاع قابلاً للقياس. أمّا الآن، فالكلمات تسبق الدبابات، والتصريحات تسبق الوقائع. ما يُقال في قاعةٍ دبلوماسية قد يتحوّل إلى خرائط على طاولاتٍ مغلقة. اليوتوبيا هنا ليست مدينة فاضلة، وإنما تصوّرٌ ميتافيزيقيٌّ لدولةٍ تتجاوز حدودها باسم سفر التكوين وإصحاحاته، وتطالب العالم أن يتكيّف مع هذا التصوّر كما لو كان قدراً نهائياً.
هكذا دخل العالم العربي مرحلة الرعب الوجودي. ليس خوفاً من هزيمة عسكرية فحسب، وإنما خوفٌ من محو التعريف. حين تُطرح فكرة السيطرة على أراضٍ تعود لدولٍ قائمة، وحين يُتعامل مع الضفة الغربية كجملةٍ قابلة لإعادة الصياغة، فإنّ الزلزال لا يصيب حدوداً فحسب، وإنما يصيب فكرة الدولة ذاتها. الرعب الوجودي هو أن تشعر بأنّ اسمك قد يصبح ملحقاً بهامشٍ في كتاب الآخرين.
في هذا المناخ، تنتقل فكرة “إسرائيل الكبرى” من حالة الكمون إلى حالة الإمكان. كانت لسنواتٍ طويلة تعيش في أدبياتٍ أيديولوجية، في خرائطٍ تُعلّق في غرفٍ ضيقة، في خطبٍ حماسية. اليوم، تخرج من الظلّ إلى الضوء، لا كإعلانٍ رسميّ، وإنما كاحتمالٍ يُختبر في الخطاب العام. الإمكان أخطر من الإعلان؛ لأنّه يختبر ردود الفعل، يقيس النبض، ويعرف أين يضغط.
الأنظمة العربية، في المقابل، تتحسّس رقبتها كما يفعل مريضٌ يخشى أن يتقدّم الورم. هذا التلمّس ليس دلالة شجاعة، وإنما إشارة إلى وعيٍ متأخر بأنّ الخطر صار داهماً. غير أنّ هذا الحذر لا يقابله تلمّسٌ موازٍ لمشروع الإبراهيمية، الذي طُرح بوصفه جسراً بين الأديان، ثمّ جرى تقديمه أحياناً كبديلٍ عن السياسة، وأحياناً كغطاءٍ لها. لا أحد يسأل: هل نريد هذه الصيغة كما قُدّمت؟ هل نعيد تعريفها؟ هل نرفضها؟ الفراغ بين الخوف والمراجعة يتّسع، وفيه تتكاثر الأسئلة المؤجلة.
البيانات تتكاثر أيضاً. كلّما اشتدّ التصريح، جاء بيانٌ أشدّ صرامة. الكلمات حين لا تتبعها أفعال، تتحوّل إلى رُزَمٍ من الشاش المطهِّر تغطّي الجرح من دون أن تعالجه. قد يأتي يومٌ تلتهم فيه البيانات أصحابها لأنّ الشعوب ستقرأ الفجوة بين السطور، وسترى أنّ الطائرات الحربية الإسرائيلية، على قسوتها، أوضح من بيانٍ لا يُغيّر ميزان القوى. الطائرة تدمّر بناءً، أمّا البيان الفارغ فقد يدمّر ثقة أمةٍ بنفسها.
من هنا، يلوح اقتراح تشكيل مجلس مواجهة عربية وإسلامية ومسيحية مشرقية، في مواجهة مجلس السلام الذي وُلد في ظروفٍ ملتبسة. ليس مجلساً للحرب، وإنما مجلساً لاستعادة التوازن. مجلسٌ يعيد تعريف المصالح المشتركة خارج الضغوط العابرة. ومن انضوى في ترتيباتٍ سابقة قد يجد نفسه أمام خيار الانسحاب إذا تعارضت تلك الترتيبات مع سيادة الدول وحقوق الشعوب. المواجهة هنا ليست صخباً عسكرياً، وإنما إعادة ترتيب الأولويات على قاعدة الكرامة السياسية.
المشهد كلّه يوحي بأننا دخلنا مرحلة حروب آلهة. صراعٌ تتداخل فيه النصوص المقدسة مع السياسات اليومية، وتُستدعى فيه الرموز الكبرى لتبرير خطواتٍ آنية. هذه الحروب لم تنشأ في فراغ. أرادها صهاينةٌ رأوا في التاريخ مخزناً مفتوحاً، ودعمها حليفٌ أكبر اعتبرها جزءاً من هندسةٍ إقليمية.
حين تتحوّل العقيدة إلى أداة توسّع، يصبح النزاع أقرب إلى مواجهةٍ بين سردياتٍ لا تعترف بحدود. ولأنّ الجرأة تزداد حين يقلّ الردع، دخلنا مرحلة الجهارة الوقحة. الخروج عن الأعراف الدبلوماسية لم يعد زلّة لسان، وإنما أسلوباً. يُقال ما كان يُقال همساً، وتُقاس حرارة ردود الفعل كما تُقاس حرارة المَرضى.
هذه الجهارة تكشف شيئاً عميقاً: اعتقاداً بأنّ النظام الدولي في طور التشكّل، وأنّ من يفرض الأمر الواقع اليوم قد يكتب قواعد الغد.
أمام هذا التحوّل، لا يكفي التنديد. على العالم العربي والإسلامي أن يعيد استيلاد ذاته التاريخية والقومية وفق معايير القوة الموازية. الاستيلاد هنا ليس حنيناً إلى ماضٍ ذهبي ذَهَبَ، وإنما إعادة بناء أدوات الفعل: اقتصادٌ متكامل، تحالفاتٌ مدروسة، مؤسساتٌ إقليمية فاعلة، خطابٌ عقلانيٌّ يخاطب العالم بلغته. لا أحد يحترم كياناً لا يحترم قدرته على حماية مصالحه.
ومع ذلك، ينبغي الحرص على ألّا يُصوَّر الصراع وكأنه معادٍ للسامية. السامية، بوصفها إطاراً ثقافياً ولغوياً يشمل شعوباً متعددة، ليست خصماً. في ظلّ المشروع الصهيوني الذي يربط بين الهوية الدينية والمشروع التوسّعي، تصبح السامية نفسها في خطر لأنّها تُختزل في سياسةٍ محدّدة، وتُحمَّل تبعاتها.
الدفاع عن الحقوق العربية لا يستلزم عداءً لليهودية كدين، ولا لليهود كشعب، وإنما مواجهة مشروعٍ سياسيٍّ محدّد يسعى إلى إعادة رسم الخرائط بالقوة.
في الأزقة القديمة لمدننا، ما زال الناس يشربون القهوة ويتحدّثون عن الغلاء والهجرة وأحلام الأبناء. قد تبدو التصريحات البعيدة كأنها شأنٌ للنخب. غير أنّ الرعب الوجودي يتسرّب ببطء، كالرطوبة في الجدران. حين يشعر المواطن أنّ أرضه قد تصبح موضوع تفاوض بين آخرين، فإنّ شيئاً داخلياً ينكسر.
المرحلة المقبلة لن تُحسم بخطابٍ واحد، ولا ببيانٍ مشترك، مهما كان موقع صدوره. هي مرحلة إعادة تعريف للذات وللآخر.
أفول الجغرافيا القديمة لا يعني نهاية الأرض، وإنما يعني أنّ الأرض لم تعد وحدها مركز الصراع. الفكرة صارت أرضاً بديلة، واليوتوبيا صارت خريطة.
بين الخوف والقدرة، بين الذاكرة والمستقبل، يقف العالم العربي على حافة تحوّلٍ عميق. إمّا أن يظلّ يراقب الكمون وهو يتحوّل إلى إمكان، أو أن يصوغ لنفسه إمكاناً مضاداً، يُعيد التوازن إلى زمنٍ اختلّت موازينه.
روني ألفا
