تعيش فرنسا اليوم مرحلة انفجار تناقضاتها البنيوية، في مشهد يتجاوز السجال البرلماني السطحي ليمس جوهر الجمهورية الخامسة بوصفها اللجنة التنفيذية لإدارة شؤون البرجوازية التي صاغها ديغول عام 1958. إن ما يسمى بـ الأزمة السياسية ليس سوى تعبير عن اهتزاز القواعد الاقتصادية التي منحت النظام استقراره, حيث تتفكك اليوم التسوية الطبقية التاريخية التي قامت على نهب الفائض من المستعمرات لتمويل دولة الرفاه في المركز. ومع اشتداد أزمة تراكم رأس المال، لم تعد البرجوازية قادرة على تقديم الرشاوي الاجتماعية، مما أدى إلى انهيار العقد الاجتماعي وتحول الدولة من دور المنظم إلى دور الشرطي .
في قلب هذا الاستعصاء، يبرز جان لوك ميلونشون كظاهرة تعكس غضب الفئات المفقرة، لكنه يظل في جوهره يمثل الاشتراكية الديمقراطية التي تحاول إصلاح ما لا يمكن إصلاحه. ومع ذلك، فإن الاستهداف المسعور الذي يتعرض له من قبل الأوليغارشية المالية واليمين المتطرف يكتسب بعداً طبقياً وجودياً, فالتلويح بتهمة الخيانة ووصمه بـ اليسار الإسلامي ليس سوى النسخة المعاصرة من التحريض الذي أدى إلى اغتيال جان جورس عام 1914. لقد اغتالت القومية الشوفينية جورس لمنع البروليتاريا من وعي مصالحها الأممية ضد الحرب الإمبريالية، واليوم تُمارس الشيطنة ضد ميلونشون لمنع تشكل كتلة تاريخية تجمع بين بروليتاريا الضواحي المهمشة والطبقة العاملة التقليدية في الأطراف. إن البرجوازية تدرك أن وحدة هذه القوى تعني نهاية هيمنتها، لذا تعمد إلى تحويل الصراع من صراع طبقي (عمال ضد رأس مال) إلى صراع هوياتي (مواطن ضد مهاجر).
إن الفراغ التنظيمي الذي تركه انحسار وإنحدار الحزب الشيوعي الفرنسي ، أدى إلى تشرذم الوعي الطبقي، حيث نجح اليمين المتطرف في تأميم آلام المسحوقين وتغليفها بخطاب قومي زائف. لقد تحولت الدولة، بفعل قوانين التقاعد الجائرة وقمع حركة السترات الصفراء ، إلى جهاز قمعي محض (Repressive State Apparatus)، حيث تخلت عن قفازها الحريري وكشرت عن أنيابها النيولبرالية. إن فرنسا الأطراف التي تعاني من سحب الاستثمارات وتدهور الخدمات العامة ليست مجرد ضحية للجغرافيا، بل هي ضحية لـ قانون التراكم الرأسمالي الذي يركز الثروة في المراكز المالية (باريس، ليون) ويحول الأطراف إلى خزانات لليد العاملة الرخيصة أو مقابر للصناعة.
تزداد الصورة وضوحاً عند فحص ملفات الفساد البنيوي، فالفساد هنا ليس انحرافاً أخلاقياً، بل هو الأسلوب الطبيعي لعمل رأس المال المالي في مرحلة تعفنه. إن انعدام الثقة في المؤسسات ليس عدمية سياسية، بل هو وعي غريزي لدى الجماهير بأن هذه المؤسسات لم تعد تمثلها. لذا، فإن الدعوة لـ جمهورية سادسة يجب ألا تظل مجرد تغيير في الدستور، بل يجب أن تكون قطيعة راديكالية مع ديكتاتورية الأسواق، أي انتقال السلطة من يد المصارف إلى يد المنتجين.
إن استقراء هذا المشهد يفضي إلى حتمية تاريخية، فرنسا تعيش مخاضاً لن ينتهي بتغيير حكومي، بل بصدام بين خيارين:
البربرية, المتمثلة في الانغلاق القومي المتطرف الذي يحول الغضب الطبقي إلى حرب أهلية هوياتية تخدم بقاء النظام الرأسمالي.
الثورة, المتمثلة في استعادة إرث جورس الثوري ودمجه مع راديكالية الميدان، لتأسيس سلطة تسترد السيادة الوطنية من مخالب الاتحاد الأوروبي (كأداة لرأس المال العابر للحدود) وتعيد توجيه فائض القيمة لصالح المجتمع.
إنها لحظة الحقيقة, فإما أن تنجح القوى الثورية في تحويل السيولة السياسية إلى منظمة طليعية قادرة على الحسم، وإما أن ينجح اليمين المتطرف في إتمام المهمة التي بدأها قاتل جورس، وهي دفن الأمل في عدالة اجتماعية تحت ركام الأوهام القوميةالمتطرفة.
عبدالله عبدالله/ باريس