بوجه بلا ملامح قال مورسو:
«اليوم ماتت أمي.. أو ربما ماتت أمس لست أدري!»
بهذه العبارة الباردة من افتتاحية رواية “الغريب” ذهب ألبير كامو بأقدس مشاعر البشرية إلى أقصى درجات العبث، وتمرد على بروتوكولات وطقوس هذه الفاجعة بجعله لها لا تستحق حتى اليقين الزمني..!
مورسو لا يحزن، لا يغضب ولا يأبه، وكم كان الحدث عابراً جدا.

الفاجعة تطالب مورسو أن يحزن ليكون جزءاً من الإنسانية، لكنه أعلن خيانته على الملأ لهذه الإنسانية، لا بل لم يكن مورسو خائناً بقدر ما كان مرآةً كشفت وجه هذه الإنسانية على حقيقتها الأكثر وحشية..!
كلنا مورسو وأنا معكم؛ استُشهد لي اليوم في غزة ستةٌ أو ربما سبعةُ أبناء، لست أدري! أُسِر لي في الضفة عشرةٌ أو ربما أحدَ عشرَ أخاً، لست أدري! دُمّر لي في جنوب لبنان ثلاثةٌ أو أربعةُ منازل، لست أدري! واختُطِف من بناتي اليوم في سوريا سبعٌ أو ربما ثمانٍ أيضاً، لست أدري..!
ما قيمة عدم اليقين الزمني الذي اقترفه مورسو أمام جريمة عدم اليقين العددي للدماء والأشلاء والأرواح؟ نحن عبثيون أكثر من ميرسو.

كثرة جرائم العدو جعلت منطقة اللاشعور لدينا تطبع مع هذا الأمر الواقع الممزوج بالدماء، وأصبحت للأسف أعداد الشهداء ،والجرحى والجرائم مجرد مادة للاستهلاك الإعلامي، والبرهان على ذلك؛ ما هو الأثر الذي سيتركه في وجدان الشارع العربي ارتقاءُ خمسين شهيداً عوضاً عن عشرة؟

ماذا لو استيقظ مورسو اليوم في الوطن العربي؟ من الممكن أن يزعجه صوت الرصاص،أو ربما سيشتكي فقط من الغبار الذي يلوث شرفته، أو يتذمر من ضوء القنابل المضيئة الذي يفسد عليه قيلولته.
إن الجريمة الحقيقية يا سادة ليست في برود مورسو، بل فينا نحن الذين قرأنا روايته فاستنكرنا عبثيته، ثم أغلقنا الكتاب لنمارسها بامتياز أمام شاشات التلفاز.
نحن لا نحتاج لنخبٍ تعتلي المنابر لتخطب فينا، بل نحتاج لأن نكف عن كوننا “جمهوراً” يطبع مع المأساة أو يعتادها.
يجب تحطيم مرآة كامو الباردة ونستعيد صراخنا الذي يجب أن يملأ العالم الذي ينام شياطينه بثقلهم على أجسادنا منذ عقود، وإما أن نعترف بأننا جميعاً أبطالٌ في رواية “الغريب'”. ولكن بنسختها الأكثر دموية.

«إيّاك ولو لمرّة واحدة أن تنسى وجود الاحتلال، أو ترى حياتك طبيعيّة في ظل وجوده، وإن حدث ذلك؛ فأنت تزحف للخيانة».

أبو الأمير _ القدس