قضية إبستين: الجريمة التي فضحت نظامًا يحمي الجناة ويُخدّر الشعوب
أحلام الصوفي
ليست قضية جيفري إبستين حكاية رجل منحرف، ولا فضيحة جنسية عابرة أسيء التعامل معها. إنها وثيقة اتهام كاملة ضد نظام عالمي فاسد، يعرف كل شيء، ويرى كل شيء، ثم يختار الصمت. الأسوأ من الجريمة نفسها هو ما تلاها: إدارة متعمّدة للغضب، وتدوير للصدمة، وتصفية للحقيقة قبل أن تصل إلى أبواب السلطة.
إبستين لم يكن ذئبًا منفردًا. كان أداة داخل شبكة، والمال كان لغتها، والابتزاز وقودها، والسياسة مظلتها. عشرات الرحلات، مئات الضحايا، سنوات من البلاغات، ومع ذلك ظلّ الرجل محميًا. لم تسقط هذه الحماية صدفة، بل بقرار. وعندما اقتربت الحقيقة من مراكز النفوذ، مات المتهم في زنزانة يُفترض أنها لا تنام. هكذا تُغلق الملفات حين تصبح خطِرة.
لكن الأخطر ليس الموت، بل ما بعده. منذ ذلك اليوم، تحوّلت القضية إلى مادة استهلاك: تُفتح عند الحاجة، وتُغلق عند اللزوم، وتُغرق في تفاصيل صادمة بلا نهاية قضائية. الهدف واضح: أن يغضب الناس… ثم يملّوا. أن يصرخوا… ثم ينتقلوا إلى خبر آخر. هذه ليست فوضى، بل سياسة إلهاء محكمة.
في كل مرة يشتعل فيها العالم—حرب، إبادة، انهيار اقتصادي، فضيحة كبرى—يُعاد تدوير اسم إبستين. لا لكشف الحقيقة، بل لسحب الانتباه.
فالقضية التي لا تصل إلى محاسبة تتحوّل إلى مخدّر، والفضيحة التي لا تُسمّي الفاعلين تصبح ستارًا دخانيًا يحميهم.
الأخطر من الإلهاء هو تشويه البوصلة. حين تُغرق الجريمة بسرديات غامضة وغير قابلة للإثبات، تُقتل الحقيقة مرتين. لا لأن الأسئلة غير مشروعة، بل لأن الضجيج غير المنضبط يخدم الجناة. الفساد الحقيقي لا يُهزم بالأساطير، بل بالوثائق، والأسماء، والمحاكمات. وكل ما عدا ذلك هدية مجانية لمن يريد طمس الملف.
سياسيًا، تكشف قضية إبستين قاعدة صارمة:
في عالم القوة، العدالة ليست عمياء… بل مُقيّدة.
القانون يُطبّق على الضعفاء، ويتعطّل عند أبواب النخب.
الإعلام يساوم، والمؤسسات تناور، والضحايا يُتركون للنسيان.
وهنا تتقاطع القضية مع المأساة العالمية الأوسع. النظام الذي فشل—أو تواطأ—في حماية الأطفال من شبكة استغلال، هو ذاته النظام الذي يصمت عن الإبادات، ويبرّر الحصار، ويبيع القيم بلغة “الواقعية السياسية”. الإفلات من العقاب ليس استثناءً، بل سياسة دائمة.
الخلاصة قاسية، لكنها ضرورية:
قضية إبستين ليست لغزًا، بل إنذارًا.
إمّا عدالة كاملة، شفافة، تُسمّي الأسماء وتكسر الحصانات،
وإمّا عالم تُدار فيه الجرائم الكبرى كعناوين موسمية لإدارة الغضب لا لإنهاء الظلم.
الضحايا لا يحتاجون صدمة جديدة،
بل حقيقة… ومحاسبة… ونظامًا لا يحمي المجرمين ثم يطالب الشعوب بالصمت.
