البروباغندا بنسختها الجديدة
التعليق السياسي – كتب ناصر قنديل
- لم تعد البروباغندا المعاصرة تقوم على إنكار الوقائع أو اختلاق أحداث بديلة. شكلها الأنجع اليوم يقوم على آلية أدقّ: الاعتراف بالوقائع جميعها، ثم التلاعب بدرجتها الأخلاقية والسياسية. في هذا النموذج، لا يُقال إن الحدث لم يقع، بل يُقال ضمنيًا إن هذا الحدث أخطر من ذاك، وهذا يستحق التعبئة القصوى، وذاك لا يتجاوز حدود الأسف أو القلق.
- يتجلّى هذا النمط بوضوح في الخطاب الأميركي الرسمي والإعلامي حول مشهد غزة، الذي يضم واقعتين واضحتين: طوفان الأقصى، ثم حرب الإبادة اللاحقة على غزة. الخطاب الأميركي لم ينكر أيًّا من الواقعتين، لكنه أعاد ترتيب درجتهما على نحو يخدم سردية سياسية محددة. فقد وصف الرئيس الأميركي جو بايدن طوفان الأقصى بأنه «اليوم الأكثر دموية لليهود منذ الهولوكوست»، وهو توصيف لا يكتفي بوصف الحدث، بل يرفعه إلى أعلى درجة أخلاقية ممكنة، ويجعله المرجع التأسيسي لكل ما يليه.
- في المقابل، لم يُنكر الخطاب نفسه حجم القتل والتدمير في غزة، لكنه نفى عنه درجته القصوى. قيل صراحة إن «ما يجري في غزة ليس إبادة جماعية»، وإنه «لا توجد جرائم حرب». هنا لا يجري إنكار الوقائع، بل نزع توصيفها القانوني، أي منع انتقالها من مستوى حدث عسكري إلى مستوى جريمة مُلزِمة أخلاقيًا وقانونيًا.
- تتعمّق هذه البروباغندا حين يُنقل الجدل من الوقائع إلى الجهة التي تسميها. فحين أشارت محكمة العدل الدولية إلى وجود «خطر معقول بوقوع أعمال قد ترقى إلى إبادة جماعية»، لم يكن الردّ الأميركي نقاشًا في مضمون القرار، بل التشكيك في مساره ووزنه، وصولًا إلى ربط الاتهامات ضمنيًا بخطاب «معاداة السامية». هنا لا تُنفى المحكمة، بل يُخفَّض وزنها الأخلاقي.
- الآلية نفسها تظهر عند مقارنة الموقف الأوروبي من احتجاجات إيران والموقف من غزة. في إيران، حيث الوقائع متباينة وغير مكتملة، يُمنح الملف أعلى درجات الخطاب الحقوقي والتعبئة السياسية. ويبادر الاتحاد الأوروبي الى تسمية الحرس الثوري الايراني منظمة ارهابية، بينما في غزة، حيث الوقائع أوضح، والأرقام أكبر، والاستهداف أوسع، تُخفَّض الدرجة، ويُحاصر التوصيف القانوني وتنسى العقوبات والتصنيفات. هذا ليس تناقضًا، بل قلبًا متعمّدًا لمنطق التناسب.
- هذه النماذج من السردية التي يتم التلاعب بمكوناتها بطريقة انتقائية هي البروباغندا المعاصرة التي يجري التضخيم قبل ضخها عبر وسائل الإعلام وتستأجر روبوتات بهدف تسويقها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
- آخر نماذج البروباغندا رافقت كلام وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو امام احدى لجان الكونغرس عندما ادلى بثلاثة معادلات، الأولى أن إيران اليوم أضعف مما كانت عشية حرب حزيران الماضي، والثانية ان لدى ايران آلاف الصواريخ والحرب معها تنطوي على مخاطر كبيرة على اميركا واسرائيل وهي مخاطر يصعب صدها أو التملص منها والثالثة أن الحرب لن تجلب إسقاط النظام في إيران ولا استسلامه وانه اذا تم اسقاط النظام فلا ضمانة بنشوء نظام بديل، والارجح هو خيار الفوضى وما فيها من مخاطر وإن نشأ نظام بديل فلا ضمانات حول نوعه ومدى الثقة به، لكن البروباغندا انتقت الجملة الأولى فقط وهي ان ايران اضعف من قبل وصاغت منها عناوين نشرات الأخبار ومواضيع التحليلات، ولذلك وظيفة في الحرب النفسية وإضعاف المعنويات والرهان على تغيير اتجاه الرأي العام نحو الانهزام سلفا قبل أن تقع الحرب واستخدام خوفه في الضغط لتقديم التنازلات لتفادي الأسوأ الذي سوف تجلبه الحرب.
