هيبة أمريكا على المحك: ترامب في نفق المواجهة وإيران على أعتاب التحدي
بقلم:فاتنة علي،لبنان/سوريا الكبرى
تتجه الولايات المتحدة الأمريكية اليوم إلى مأزق معقد يضع هيبتها على المحك، حيث يواجه الرئيس دونالد ترامب أزمة متصاعدة لا يجد لها مخرجًا واضحًا. المفاوضات مع إيران تمثل نقطة مركزية في هذا المأزق، وهي في جوهرها مطالب أمريكية صارمة تفرض على طهران شروطًا لا تقبل التفاوض عليها بسهولة، منها وقف دعم المقاومة، ووقف التحريض على الكراهية، والاعتراف بإسرائيل، والتعهد بعدم المساس بالمصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة، فضلاً عن حرمان إيران من برنامجها النووي.
وللأسف، هناك من العرب، رغم استثنائيتهم، لا يدركون هذه الحقيقة بأن المفاوضات ليست خيارًا نزيهًا بل شروط أمريكية تفرض على إيران التنفيذ أو تواجه العواقب. وهذا ما يفسر تصاعد نبرة ترامب وتصريحاته التي تتجدد يوميًا، والتي تعكس ترددًا وعجزًا في اتخاذ قرارات حاسمة.
لدى الولايات المتحدة عدة سيناريوهات للخروج من هذا النفق، الأول هو المواجهة العسكرية التي قد تتحول إلى حرب مدمرة لا تبقي ولا تذر، مع احتمالية تدمير القواعد الأمريكية في المنطقة وإشعال أزمات إقليمية وعالمية، بما في ذلك تداعيات قد تصل إلى أوروبا وروسيا والصين. ولا ننسى أن كل ما حدث حتى الآن كان ارتدادًا لزلزال سابق، طوفان الأقصى، والذي يذكرنا بأن أي ضربة عسكرية على إيران قد تكون الارتداد الأكبر.
أما السيناريو الثاني، فهو إعادة تنشيط المعارضة الداخلية في إيران، محاولين تحويل النظام إلى مجرد قمع ثورة شعبية عبر أدوات إعلامية مكثفة. السيناريو الثالث هو محاولة إنشاء معارضة خارجية أو حكومة بديلة معترف بها دوليًا، رغم أن هذين السيناريوهين أقل قوة لكنه قد يلجأ إليهما الأمريكي لحفظ ماء الوجه وسط المأزق.
من جانبها، إيران لم تقف مكتوفة الأيدي، فهي تدرك أن المواجهة حتمية في حال الاعتداء، وقد أعلنت استعدادها لتحمل العواقب، مؤمنة بأن سيادتها ليست للعب بها. وعلى الرغم من أن إيران ليست دولة عظمى، إلا أنها تمتلك قوة إقليمية كبيرة، خاصة من خلال ترسانتها الصاروخية، وتعقيد أي هجوم بري أمريكي على أراضيها.
الوضع الأمريكي الداخلي لا يقل تعقيدًا، مع هشاشة اقتصادية وتصاعد احتجاجات واسعة قد تهدد الاستقرار الداخلي، مما يزيد من الضغط على الإدارة الأمريكية ويضعف قدرتها على إدارة أزمات خارجية. كما أن الحروب الأمريكية السابقة في العراق وأفغانستان كانت فاشلة ومكلفة، حيث بلغت الخسائر المالية حوالي 7 تريليونات دولار، و7000 جندي أمريكي، مما يطرح تساؤلات كبيرة حول جدوى الدخول في صراع جديد مع إيران.
يجب على المواطن العربي أن يدرك أن المواجهة لا تعني فقط صراعًا إقليميًا بل حربًا ستطال المنطقة كلها، وأن أمريكا تحاول فرض شروطها على إيران لتكريس هيمنتها، لكن إيران اليوم أكثر استعدادًا وأكثر ثقة بقدرتها على الصمود. التاريخ يشهد أن الهيبة الأمريكية تتراجع، والعالم يعيد تشكيل موازينه، وسط واقع جديد يتطلب من العرب وعيًا أكبر وحذرًا من الانجرار خلف أوهام التفاؤل الزائف.
ختامًا، “شاهت الوجوه، كلت الألسن، وعميت الأبصار” تعبير يصف بدقة المشهد الحالي؛ حيث الضبابية تعم القرارات، والصراعات تزداد حدة، والرهان على مستقبل غير مضمون.
