انهيار قطاع التكنولوجيا في كيان الفصل العنصري … فيما تسعى رويترز إلى التخفيف من وقع الانهيار
رندة سكسك_استراليا
يشكّل قطاع التكنولوجيا في كيان الفصل العنصري، الذي يضم مئات الشركات متعددة الجنسيات مثل مايكروسوفت، وإنتل، وإنفيديا، وأمازون، وميتا، وآبل، نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي للكيان، و15% من إجمالي فرص العمل، وأكثر من نصف صادراته
ويشير التقرير السنوي لجمعية صناعات التكنولوجيا المتقدمة التابعة للكيان المحتل (إي إيه تي آي)، الصادر يوم الأحد 28 كانون الأول، ديسمبر 2025، إلى أن 22% من الشركات أفادت بتراجع في النشاط التجاري، من بينها 8% سجّلت تراجعًا كبيرًا. ومن بين هذه الشركات، تتوقع 18% استمرار الانكماش. وعلى نحو لافت، يزعم التقرير أن المعاملات تشهد ”تعافيًا“ ، مقدّمًا ذلك بوصفه أثرًا تراكميًا على مدى عامين، في حين يتجاهل تمامًا الحملة المتعمدة التي شُنّت طوال عام 2024 لحماية القطاع ودعمه
وعند النظر إلى الأرقام بمعزل عن الخطاب التطميني، يتضح أن حجم معاملات الشركات متعددة الجنسيات البالغ 9.6 مليارات دولار قبل الحرب لا يقارن مطلقًا بمستوى 3.5 مليارات دولار المسجّل في عام 2025. بل إن هذا المستوى يعيد القطاع فعليًا إلى درجات الانكماش التي شهدها خلال أزمة جائحة عام 2020، وذلك رغم الجهود الهائلة والمستمرة التي بُذلت لدعمه وتثبيته
مقتبس عن التقرير السنوي لجمعية صناعات التكنولوجيا المتقدمة، 2025

وبدل التركيز على انكماش فوري في الناتج المحلي الإجمالي، ينبغي توجيه الانتباه إلى الانهيار بنسبة 67% في الاستثمار الأجنبي في قطاع مسؤول عن نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي وأكثر من نصف الصادرات، إذ إن قرارات الاستثمار اليوم هي التي تشكّل القدرة الإنتاجية في السنوات المقبلة لا في اللحظة الراهنة. ويقدّم التاريخ سابقة دالّة: ففي منتصف ثمانينيات القرن الماضي، شهدت جنوب أفريقيا في ظل نظام الفصل العنصري انسحابًا خاصًا مستدامًا للاستثمارات لم يظهر فورًا على شكل انهيار حاد في الناتج المحلي، لكنه أسهم لاحقًا في انكماش اقتصادي وركود امتد لعدة سنوات، بما في ذلك سنوات سجّلت تراجعًا في الناتج المحلي في نطاق 3-5%. وتشير المسارات الحالية إلى تأثير أكثر تسارعًا وضغطًا زمنيًا، نظرًا لتركّز سحب الاستثمارات في محرّك النمو الأساسي للاقتصاد
أما الاستقرار المؤقت الذي لوحظ خلال عام 2024، فقد استند إلى تدخلات استثنائية عامة وشبه عامة، وليس إلى استعادة ثقة المستثمرين الأجانب على نطاق واسع. وشملت هذه التدخلات تمويلًا عامًا طارئًا، وإجراءات سيولة مدعومة من الدولة، ومسارات تمويل موسّعة في زمن الحرب أدارتها هيئة الابتكار الإسرائيلية، إلى جانب محاولات تعويض تراجع رأس المال الأجنبي باستثمارات محلية ومرتبطة بالشتات. ورغم أن هذه الإجراءات قد تُبطئ مظاهر الانكماش على المدى القصير، فإنها تؤدي دور الجسر لا مؤشرات التعافي. أما عكس الاتجاه البنيوي القائم، فيتطلب تحولًا جذريًا في الظروف السياسية، بما في ذلك وقفًا دائمًا لإطلاق النار وإعادة تأهيل جوهرية للمكانة الدولية لكيان الفصل العنصري، وهو تناقض لفظي بحد ذاته يبرز استحالة تحققه في المستقبل المنظور

يتماشى هذا التقييم مع خلاصات المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيزي، التي يبيّن تقريرها ”من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة الجماعية“ أن مشاركة الشركات تُشكّل ركيزة بنيوية في هذا النظام وليست عاملاً هامشيًا. ويخلص التقرير إلى أن الكيانات التجارية، وبشكل حاسم، قياداتها التنفيذية، قد تتحمّل مسؤولية بموجب القانون الدولي عندما تواصل، عن علم، أنشطة أو علاقات مرتبطة بالاحتلال والضمّ ونظام الفصل العنصري والإبادة الجماعية. كما يوضح التقرير أن آليات المساءلة المدنية والجنائية متاحة في ولايات قضائية متعددة، ما يعرّض ليس الشركات فحسب، بل صُنّاع القرار الأفراد أيضًا، لاحتمال المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الدولية

تُقدِّم رويترز انتقال بعض الشركات متعددة الجنسيات بوصفه نتيجةً لاضطرابات سلاسل التوريد، فيما يؤكد التقرير، في مواضع أخرى أن 21% من هذه الشركات قد طوّرت موقفًا سلبيًا تجاه الكيان، وهي دلالة تتجاهلها رويترز، كما تُهمِّشها خلاصة تقرير نفسه
0:09 / 9:12
من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة الجماعية
تقرير المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967

والأهم من ذلك، يعترف تقرير بأن بعض الشركات متعددة الجنسيات تختار إعادة توجيه استثماراتها ومراكزها التشغيلية إلى دول أخرى، ما يؤدي إلى إضعاف الروابط مع المقرات العالمية، وإلى تآكل تدريجي في نفوذ مراكز البحث والتطوير والعمليات المحلية. تتناول رويترز هذه النقطة بحذر شديد، ولا تذكر البحث والتطوير من الأساس. ومع ذلك، تحذّر جمعية صناعات التكنولوجيا المتقدمة من أن هذه العملية، التي غالبًا ما تجري خلف الكواليس، يمكن أن تُلحق ضررًا تراكميًا بالنظام البيئي للتكنولوجيا المتقدمة في إسرائيل وبقدرته التنافسية على المدى الطويل.
وعندما يصف تقرير سنوي المعاملات بأنها ”تتعافى“ أو ”قوية“، بينما يوثّق في الوقت نفسه تراجعًا بنسبة 22% في النشاط التجاري، وتوقّع 18% من الشركات لمزيد من الانكماش، وتحول 21% من الشركات متعددة الجنسيات نحو موقف سلبي، إلى جانب إعادة توجيه الاستثمارات وتآكل نفوذ البحث والتطوير المحلي، فإن التقرير يصبح متناقضًا داخليًا ومضللًا من حيث المضمون، وهي حقيقة ستكون واضحة للشركات متعددة الجنسيات قبل نشر التقرير بوقت طويل. ومن ثم، فإن الإصرار على هذا الإطار الخطابي لا يشير إلى خطأ تحليلي بقدر ما يعكس وظيفة سردية مقصودة: توفير مرجع قابل للاقتباس للفاعلين الخارجيين، بمن فيهم وسائل الإعلام الدولية، يقدّم خطاب الطمأنة ويُخفي النتائج الجوهرية للتقرير.
ومن بين المؤشرات التي جرى تجميلها بعناية في التقرير، يبرز أن 53% من الشركات شهدت زيادة في طلبات الانتقال إلى الخارج من قبل الموظفين الإسرائيليين، بمن فيهم كبار التنفيذيين وعائلاتهم، مع الإقرار بأن هذا النزوح يشكّل تهديدًا مباشرًا لمحركات الابتكار في الكيان. ولم تكتفِ رويترز بتليين لغة تقرير، بل رفعت هذا المؤشر، وهو الأقل أثرًا مقارنة بعمق التدهور المالي، إلى صدارة العنوان، مقدّمة الظاهرة على أنها «موجة كبيرة من مغادرة الموظفين، وبذلك اكتفت بالإشارة إلى وجود التقرير من دون الاضطلاع بالمهمة التحليلية المتمثلة في فحص ما يكشفه التقرير فعليًا.
https://www.reuters.com/business/world-at-work/israels-tech-sector-says-more-staff-seek-relocation-abroad-report-2025-12-28/
https://iati.co.il/who-we-are/
https://richardknight.homestead.com/files/uscorporations.htm
https://www.researchgate.net/publication/2510739_Sanctions_on_South_Africa_What_Did_They_Do