حرب الإدراك على طهران: كيف تُدار السرديات لتقويض الثقة قبل الوقائع
نجاح محمد علي
تشهد طهران في المرحلة الراهنة تصعيدًا في حرب الإدراك، حيث لا تُستهدف الوقائع بذاتها، بل تُستهدف طريقة فهمها وتفسيرها. هذه الحرب لا تعتمد على الكذب الصريح فقط بقدر اعتمادها على الانتقاء، والتهويل، وإعادة التركيب، بما يُنتج انطباعًا عامًا بأن الدولة تعيش حالة انهيار وشيك. ويمكن رصد ذلك بوضوح عبر ثلاث ساحات تطبيقية متزامنة، مع التركيز على أمثلة من الاحتجاجات الأخيرة في إيران خلال أواخر عام 2025 وبدايات عام 2026، حيث بدأت الاحتجاجات كردّ فعل على انخفاض قيمة العملة الوطنية إلى أدنى مستوياتها التأريخية مقابل العملات الأجنبية، ثم تحولت إلى تعبيرات أوسع ضد الظروف الاقتصادية والسياسية.
أولًا: تضخيم الحوادث التقنية تحت عنوان «الانكشاف الأمني»
في الأسابيع الأخيرة، جرى التعامل مع حوادث تقنية أو أمنية محدودة — كتعطّل خدمات، أو حرائق صناعية، أو حوادث سيبرانية — بوصفها دلائل على اختراق شامل للمنظومة الدفاعية. بعض المنصّات تجاهلت البيانات الرسمية وإجراءات الاحتواء، وركّزت على عناوين من قبيل «فشل استخباراتي» و«انهيار منظومات الحماية»، رغم غياب أي مؤشر على أثر استراتيجي أو تكرار ممنهج. المثال الأوضح كان تداول مقاطع قديمة أو غير مرتبطة بالحادث، وإعادة نسبها للواقعة نفسها لإعطاء انطباع بالاتساع والخطورة.
في سياق الاحتجاجات الأخيرة، شهدت إيران حوادث أمنية مصاحبة للتحركات الاقتصادية، مثل الاعتداء على الشرطة بزجاجات المولوتوف واستهداف عناصر الأمن في طهران ومدن أخرى. جرى تضخيم هذه المشاهد وتقديمها كدليل على انهيار أمني شامل، رغم أنها كانت محدودة جغرافيًا وزمنيًا، ومع تجاهل التصريحات الرسمية التي دعت إلى التهدئة والحوار ومعالجة المطالب الاقتصادية.
ثانيًا: إعادة تدوير مشاهد احتجاجية لصناعة «التغيير من الداخل»
شهدت الفترة الماضية تداولًا مكثفًا لمقاطع احتجاجات محدودة، أُعيد نشرها بكثافة وفي توقيت واحد، مع عناوين موحّدة توحي بانتفاضة وطنية شاملة. التحقيق في هذه المواد يُظهر تكرار المشاهد نفسها، وتداخل تواريخ التسجيل، واستخدام زوايا تصوير انتقائية تُخفي السياق العام. في المقابل، جرى تغييب أي مشاهد للحياة اليومية الطبيعية أو للتجمعات المقابلة، ما خلق صورة غير متوازنة تخدم سردية «الانفجار الشعبي».
بدأت الاحتجاجات في بعض الأسواق والمراكز الحضرية كردّ فعل مباشر على تدهور الوضع المعيشي الذي هو بسبب العقوبات المفروضة و سوء الإدارة ، ثم امتدت إلى عدد من المدن، مع مشاركة طلابية محدودة في بعض الجامعات. جرى توظيف شعارات متنوعة، بعضها يعود إلى سياقات احتجاجية سابقة، وأُعيد استخدامها لإعطاء الانطباع بامتداد تأريخي متصل للاحتجاج. كما تم تضخيم مواقف فردية محدودة، وتقديمها كرموز كبرى لانهيار وشيك، رغم احتوائها بسرعة وعدم تحوّلها إلى ظاهرة عامة.
الأمثلة البارزة في الاحتجاجات الأخيرة، تداول فيديوهات معدلة من مدن مثل أهواز ولردغان، حيث أضيفت أصوات شعارات مثل “عاش الشاه” أو “الموت للديكتاتور” إلى مقاطع أصلية لا تحتويها، ليبدو الأمر كانتفاضة وطنية تدعم العودة إلى النظام الملكي. في 1 يناير 2026، نشرت حسابات على منصة X فيديوهات من مرو دشت وطهران تظهر حشودًا كبيرة، لكن التحقيق يكشف أن بعضها معدل باستخدام AI أو دبلجة صوتية لتعزيز رواية “الثورة الشعبية الكبرى”، بينما تجاهلت مشاهد التجمعات السلمية في الأسواق مثل سوق الفواكه في طهران. كما تم تضخيم عدد القتلى، حيث ادعى بعض الإعلام مقتل فتى عمره 14 عامًا، لكن الفتى نفسه نشر فيديو ينفي ذلك، مما يكشف محاولات للتهويل.
في 1 يناير 2026، نشرت فيديوهات من كرج وأراك تظهر اشتباكات، لكن بعضها معدل لإضافة شعارات ملكية، مما يعكس محاولات لتوجيه السرد نحو “عودة الشاه”. كما أن بعض الحسابات المناهضة للنظام استخدمت تعليمات للمتظاهرين حول “كيفية التصعيد”، مثل صياح “لا تضرب” لتحميل القوات الأمنية المسؤولية. هذا يؤكد على استخدام الإعلام ليس لتوثيق الوقائع، بل لصناعة انطباع بالفوضى.
ثالثًا: تسويق «العزلة الدولية» عبر قراءة انتقائية للدبلوماسية
في الاحتجاجات الحالية، تم ربطها بـ”عزلة دولية”، حيث وصفت بعض التقارير الاحتجاجات كنتيجة لـ”ضغوط أمريكية-إسرائيلية”، مع تجاهل الجذور الاقتصادية الداخلية مثل انخفاض الريال إلى 1.34 مليون مقابل الدولار. على سبيل المثال، في 31 ديسمبر 2025، أشارت تغريدات إلى “انسحاب علماء دين” أو “سيطرة المتظاهرين على مدن”، لكن التقارير الرصينة تؤكد عدم وجود دليل على ذلك، وأن الإعلام الغربي يتجاهل التفاصيل لتعزيز سردية “الانهيار الوشيك”. كما تم تجاهل تصريحات الرئيس بزشكيان عن “الاستماع للمطالب المشروعة”، ليتم التركيز على “القمع” فقط.
وقد بات واضحاً أن أي تباين في المواقف السياسية أو أي تأخير في إعلان موقف خارجي، جرى تقديمه إعلاميًا كدليل على خسارة إيران لعمقها الإقليمي والدولي. صُوّر الصمت الدبلوماسي أو الخلاف التكتيكي المؤقت كتحوّل استراتيجي، مع تجاهل استمرار قنوات التنسيق والتعاون العملي. تقارير الرأي قُدّمت في صيغة أخبار، واستُخدمت تعبيرات مثل «تخلّي الحلفاء» و«انفضاض المحور»، دون الاستناد إلى وقائع ميدانية ملموسة.
في سياق الاحتجاجات الأخيرة، ربطت بعض التقارير الخارجية بين التحركات الشعبية وما سمّته «العزلة الدولية»، مستثمرة أي موقف أو تصريح خارجي لتكريس هذا الانطباع. كما جرى توظيف مواقف شخصيات معارضة تقيم خارج البلاد لتدعيم سردية «التغيير من الداخل»، مع تجاهل مظاهر الدعم الداخلي الواضح للنظام في مناطق متعددة.
عموماً، فما يجري ليس توصيفًا محايدًا للأحداث بقدر ما هو توجيهٌ ممنهج لزاوية النظر إليها. التلاعب لا يتم عبر اختلاق الحدث، بل عبر تضخيمه، فصله عن سياقه، وربطه بسردية كبرى جاهزة. هذه هي طبيعة حرب الإدراك: صناعة شعور عام بالهشاشة وعدم اليقين، تمهيدًا للضغط السياسي والنفسي. الاحتجاجات الأخيرة، رغم جذورها الاقتصادية الحقيقية، جرى استغلالها ضمن هذا الإطار، مع تعمّد تجاهل مسارات المعالجة الرسمية والدعوات إلى الحوار والإصلاح.
صحافي استقصائي مختص في الشؤون الإيرانية والإقليمية
