بين وهم الحرب وحقيقة الفوضى: قراءة في المشهد الإقليمي…

بقلم:فاتنة علي،لبنان/سوريا الكبرى

«الفشل هو الحقيقة الثابتة، أما وصف الواقع حرفيًا فهو المأزق بعينه.»
لو اجتمع العالم المبصر على حقيقة واحدة ثابتة، لكانت الفشل. أما توصيف الواقع كما هو، دون تهويل أو إنكار، فهو بحد ذاته مأزق بالنسبة (لإسرائيل).
وفي ظل تصاعد الخطاب الذي يهوّل بالحرب، يصبح من الضروري حسم الجدل بطريقة منطقية وعقلانية، بعيدة عن العاطفة، ومبنية على أسئلة واقعية يجب طرحها في هذا التوقيت تحديدًا.

السؤال الأول والمركزي:
هل حصل نتنياهو على الضوء الأخضر لضرب إيران؟
الجواب لا. لكن هذا لا يعني غياب المواجهة، بل يعني الانتقال إلى طرق بديلة. والدليل على ذلك ينقسم إلى شقّين:
الأول، ما يُعلن ويُسرّب عمّا يجري في الداخل الإيراني، من محاولات احتواء أو توظيف حراك داخلي و دعمه أو تبنّيه علناً من قبل الموساد (الإسرائيلي).
والثاني، تغريدة ترامب الأخيرة، التي تنتهك القوانين الدولية بشكل صارخ، وتشكل تدخلًا مباشرًا في الشأن الداخلي الإيراني.
نحن لا ننكر وجود معارضة في إيران، لكن هذه المعارضة تحتاج إلى قراءة أعمق، وسأتوسع فيها ضمن سياق المقال. أما فيما يخص الحرب، فالمشهد الحالي لا يشير إلى حرب شاملة وشيكة، بل إلى مرحلة تحضير لحرب كبرى. حتمية المواجهة قائمة، لكن التوقيت—على الأقل—ليس هذا العام.
فالحروب لم تتوقف يومًا بين حركات المقاومة أو الأنظمة القومية التي آمنت بالقضية الفلسطينية منذ تأسيس هذا الكيان وحتى يومنا هذا. كانت تهدأ تارة وتشتد تارة أخرى، وكان “طوفان الأقصى” عنوانًا لهذه الجولة، لكنه بالتأكيد ليس الأخيرة.
الحروب سجال، ولن أدخل في تفاصيل المواجهات المتسلسلة منذ إعلان ما يسمى بـ(إسرائيل) حتى اليوم. فالسلام كان كذبة، وخلال الفترات التي سُمّيت زورًا “سلامًا”، جرى الاستثمار في حروب بديلة، لعل آخرها ما سُمّي أيضًا بالربيع العربي. هذا الربيع لم يكن هدفه تغيير أنظمة فقط، بل تدمير دول، ومنعها من التقدم، وتفكيكها من الداخل، وزرع الفوضى فيها، وإنهاء جيوشها. الفوضى كانت الهدف، لأنها الحالة الأكثر قابلية للاستغلال دون خوض مواجهات مباشرة.
بالعودة إلى نموذج الحروب البديلة، نبدأ بالمثال الحالي: إيران.
إيران دخلت مواجهة مباشرة مع الكيان لمدة اثني عشر يومًا، بعدما كانت تخوض حروبًا غير مباشرة منذ قيام الثورة الإسلامية وسقوط نظام الشاه. وهنا يُطرح السؤال الجوهري: ما الذي تبدّل الآن؟ ولماذا يجري العبث في الداخل الإيراني في هذا التوقيت تحديدًا؟ هل هو مجرد صدفة، أم نتيجة هزيمة، أو فشل ذريع في الحد الأدنى تلقّاه الكيان؟
الواقع يشير إلى أن (إسرائيل) لم تستطع تحقيق أهدافها، وأخفت الكثير من خسائرها، رغم أن ما ظهر منها كان كافيًا لتوثيق هذا الفشل. ولو نجحت في تحقيق أهدافها، لما كنا نشهد المشهد الحالي داخل إيران. ومن حيث المقاربة الشكلية، قد يبدو المشهد الإيراني اليوم مشابهًا لما شهدته سوريا في بداياتها: عناوين مطلبية، إصلاحات، تحسين أوضاع معيشية، حديث عن الحريات وحقوق المرأة. لكن الهدف الحقيقي هو ذاته: إسقاط النظام، ثم انهيار الدولة من الداخل، وتفكيك المجتمع، وزرع الفتنة، وصولًا إلى إيصال من هو حليف للكيان الصهيوني إلى رأس هرم الحكم في إيران.
مهلًا عند المقارنة: البدايات قد تتشابه، لكن طهران لن تكون دمشق.
الخطة مربكة، نعم. مُنهِكة، نعم. لكنها فاشلة لسبب بسيط: المعارضة الإيرانية أثبتت وطنيتها، والتفافها حول مؤسسات الدولة للحفاظ على الوطن، الأرض، التاريخ، والحضارة. وقد ظهر هذا المشهد جليًا خلال حرب الأيام الاثني عشر الأخيرة، حين نبذ الشعب الإيراني، بكل انتماءاته الطائفية والدينية وحتى السياسية، أي عدوان يمس إيران الدولة وإيران الوطن.
إيران تمثّل نواة الدعم لكل حركات المقاومة في المنطقة. وقد أعلن كل من ترامب ونتنياهو صراحة أن الخطر الأكبر بالنسبة لهما هو إيران. وما نشهده اليوم من اضطرابات تمتد من إيران إلى اليمن، ومن السودان إلى سوريا، مرورًا بالسعودية والإمارات، وصولًا إلى تركيا وقبرص، ليس مشاهد منفصلة، بل مشهد مترابط.

ومن يقرأ السياسة بعمق، عليه أن ينظر إلى الخرائط:
محاصرة إيران بالقواعد الأميركية، والانتشار الأميركي في باكستان وأذربيجان والعراق، ومحاولات التضييق عليها من خلال بناء تحالفات مع دول الجوار. ثم نصل إلى الخليج العربي، وتحديدًا البحر الأحمر، الذي شكّل العائق الأكبر أمام المشروع الأميركي–(الإسرائيلي). هناك، قلب أنصار الله في اليمن المعادلات، وأصبحوا لاعبًا أساسيًا لا يمكن الاستهانة به.
وللسيطرة على هذا البحر، سارع الكيان إلى الاعتراف بـ“صوماليلاند” كدولة مستقلة، وخلق الفوضى في السودان، بمشاركة مباشرة من الإمارات، وبدور قطري كذلك. هذه مجرد خيوط لتوضيح ترابط المشهد، أما تفكيك كل خيط على حدى، فلا يكفيه مقال واحد.

الخلاصة واضحة:
لكل العرب نصيب من التقسيم إن لم يستفيقوا. فالقدس حين سقطت، تهاوت بعدها عواصم عربية كثيرة، من بغداد إلى دمشق. فما الذي يمنع تهاوي الرياض، أو القاهرة، أو حتى دبي؟
الحقيقة الثابتة المؤكدة أن أي دولة عربية لن يُسمح لها بالتمتع بالاستقرار، أو الأمن، أو التطور العلمي والتكنولوجي، أو التفوق العسكري. وحتى من يعتقد أنه سينجو بالتحالف مع الكيان، يتجاهل حقيقة أساسية: (إسرائيل) تتعامل مع ما يسمى “حليفًا” بتاريخ صلاحية محدد… يُرمى عند انتهائه.