أخطر أنواع السيطرة ليست تلك التي تُمارَس بالقوة، بل تلك التي تجعل الإنسان يظنّ أنه يختار، بينما هو في الحقيقة يُساق.
بين المادّة والروح: كيف يُساق الإنسان ويُغَيَّب العقل؟
في عالمٍ غارقٍ في بحر المادّيات، متعلّقٍ بالمظاهر، مبتعدٍ عن كل ما هو روحاني ووجداني، يبرز سؤالٌ جوهري: كيف يُساق الفرد؟ كيف يُغَيَّب العقل؟ وكيف يتم اختراق اللاوعي؟
لسنا اليوم أمام حربٍ واحدة، بل أمام حروبٍ متعدّدة الأوجه: ثقافية، فكرية، عسكرية، اقتصادية، سياسية، وإعلامية. غير أن أخطر هذه الحروب هي تلك التي لا تُرى، لأنها تستهدف الإنسان في عمقه، في وعيه وبصيرته، لا في جسده وحده.
من هنا، تأتي هذه القراءة محاولةً للذهاب إلى ما هو أعمق من السياسة وتحليلاتها، إلى الجذر الذي تُشتقّ منه كل الصراعات، ولو بدا مغلّفًا بقوالب حداثية أو علمانية أو حتى دينية مُحرَّفة.
الدين: صراع حياة لا طقس عبادة
يحاول البعض فصل الدين عن الصراعات الراهنة، وكأن الدين مجرّد طقسٍ أو شعيرة. بينما أميلُ إلى الرؤية التي ترى الدين نهج حياة وأساس وجود.
فهل استطاعت الطبيعة وحدها أن تجيب عن سؤال الخالق؟ ولماذا، منذ أن وُجد الإنسان، نشهد الصراع؟
منذ قابيل وهابيل، هل كان الصراع صراعَ خيرٍ وشرّ؟ أم صراعَ امتثالٍ روحي مقابل تمرّدٍ روحي؟
هذا الصراع لم يبدأ على الأرض، بل سبقها، حين تمرّد إبليس ورفض السجود لآدم، رغم أن السجود كان أمرًا إلهيًا، ومخالفته كانت أصل العقوبة. ومنذ ذلك الحين، انتقل الصراع من السماء إلى الأرض، بأشكال مختلفة، لكن بجوهر واحد.
إن كان الدين – كما يُقال – خارج معادلات الصراع، فلماذا يتم استغلاله مرارًا وتكرارًا؟
ولماذا يُعاد إنتاجه أحيانًا بقالب علماني، وأحيانًا أخرى عبر أديان أو مفاهيم جرى التلاعب بها؟
ثم سؤال أكثر عمقًا:
هل كل ما نؤمن بوجوده يجب أن نلمسه؟
نحن نشعر بالرياح ولا نلمسها، نؤمن بالعقل ولا نرى ما بداخله، نحيا بالمشاعر ولا تُقاس بالمادة. هذه شواهد علمية على أن العالم المادي موجود ومؤثر، لكنه ليس الأعمق.
ومهما اختلفت الديانات، يكاد الإجماع ينعقد على الإيمان بحياة أخرى، أو بتقمّص، أو باستمرار ما بعد الموت. فلماذا إذًا يتم تصدير المفاهيم المادية وحدها، لتُسيطر على نقطة الوعي الإلهي في الإنسان؟
ما هي البصيرة؟
هل هي ما ورد ذكره في القرآن والكتب السماوية فقط؟ أم أن رموزها كانت حاضرة في حضارات الإنسان كافة، وإن اختلفت تسمياتها؟
البصيرة ليست نقيض العقل، بل عمقه. هي الإدراك الذي يتجاوز الظاهر، والذي إن غاب، صار الإنسان يرى ولا يفهم، يسمع ولا يعي.
يُقال إن القرآن سيُرفع يومًا من الأرض، وأن الناس سيفتحونه فلا يجدون فيه شيئًا.
لكن إن كان هذا سيحدث فعلًا، فلماذا يُساء إلى كتاب الله مرارًا وتكرارًا، دون أن يقع هذا الحدث كمؤشر غضب؟
هذا السؤال بحد ذاته قد يُستثمر ماديًا من قبل صُنّاع الظلام، إن أُخذ بظاهره فقط.
أما إن ذهبنا إلى العمق، فالسؤال الحقيقي هو:
كم من الناس يقرأ القرآن اليوم قراءة عادة لا عبادة؟ قراءة نظرية لا تدبّر فيها؟
أليس هذا تفريغًا للمعنى، حتى وإن بقي النص ماديًا؟
أما الروح، فـ «قل الروح من أمر ربي».
لكنها، رغم غياب تعريفها العلمي الدقيق، هي كل ما نشعر به ولا نراه.
الجسد ليس إلا كساءً مؤقتًا، وعندما تخلع الأرواح هذا الكساء، يبقى في الأرض، وتعرج الروح إلى مقام آخر.
في العالم الدنيوي، تُقاس القوة بالمال، والنفوذ، والسلطة.
لكن التاريخ – دينيًا وإنسانيًا – يثبت أن منظومات كاملة انهارت أمام ثبات فرد أو جماعة لا تملك إلا الحق.
ليس فقط فرعون وقارون، بل حتى أمثلة معاصرة كفشل القوى العظمى في كسر إرادة شعوب محاصَرة، كما حدث في فيتنام و غزة ولبنان و اليمن و غيرها.
القوة الحقيقية تبدأ من الداخل، من الوعي، من العقل، من الروح.
السؤال الجوهري:
كيف نوقظ هذا العقل؟
وكيف نُعيد شرح الحقيقة البسيطة: أن المال، والسلطة، والمناصب، زائلة، وأننا جميعًا راحلون؟
لماذا يُمسَح وعينا باستمرار؟
ولماذا تحوّلت وسائل الراحة إلى أدوات تسطيح، تحبس الروح وتبرمج العقول، وتُفقد المجتمع ألفته، بينما يتضخّم “هرمون الأنا”؟
حين يُغيَّب الوعي، لا يعود الإنسان بحاجة إلى سلاسل؛ يكفي أن يُقنِعوه بأن القيد زينة، وأن الضجيج حياة.
فاتنة علي_لبنان/سوريا الكبرى
