وداعًا عامٌ أخذ مِنِّا أغلى الرجال
بسمه طه الحيفي
ليس سهلًا أن يمرّ عامٌ عربيّ من دون أن يترك جراحه مفتوحة في الذاكرة. وهذا العام، على وجه الخصوص، بدا كأنه قرر أن يرحل مثقلًا بالفقد، حاملًا معه أسماءً شكّلت_ عند قطاعات واسعة من الشعوب العربية والإسلامية _رموزًا للموقف والإلتزام والانحياز للقضايا الكبرى.
في زمنٍ تراجعت فيه الثوابت، وارتبكت فيه البوصلة، برزت شخصيات مثل: السيد حسن نصر الله، وإسماعيل هنية، وغيرهما، كعناوين لمرحلةٍ صاخبة بالصراع، واضحة الاصطفاف، عالية الكلفة. اختلف الناس حولهم، وتباينت القراءات لتجاربهم، لكن حضورهم في الوعي العام لم يكن عابرًا ولا هامشيًا. كانوا جزءًا من مشهدٍ إقليمي تشكّل تحت ضغط الاحتلال،والحصار، والحروب، ومحاولات كسر الإرادة.
من فلسطين، حيث القضية التي ما زالت تختصر جوهر الصراع، إلى لبنان واليمن وسواهما من الساحات، ارتبطت هذه الأسماء بخطاب الصمود ورفض التسويات المجانية. خطابٌ وجد فيه أنصارهم تعبيرًا عن كرامةٍ مهدورة، ورأى فيه خصومهم مغامرةً مكلفة. لكن ما لا يمكن إنكاره أن هؤلاء الرجال شكّلوا حالة، وفرضوا حضورهم على معادلات السياسة والإعلام والرأي العام.
إن غياب الرموز، أو تراجعها عن المشهد، لا يعني نهاية المرحلة بقدر ما يفتح باب الأسئلة الثقيلة: من يملأ الفراغ؟ وكيف تُدار القضايا الكبرى في زمن تتقلص فيه مساحة الموقف الواضح؟ وهل لا يزال العالم العربي والإسلامي قادراً على إنتاج قيادات تحمل كلفة الانحياز؟ أيًا كان شكل هذا الانحياز.
وداع هذا العام ليس مجرد تبدّل في التقويم، بل لحظة مراجعة. فالأمم لا تُقاس فقط بما تكسبه من انتصارات، بل أيضاً بكيفية تعاملها مع خساراتها، ومع إرث رجالٍ تحوّلواشئنا أم أبيناإلى جزء من تاريخها السياسي والوجداني.
وداعًا أيُّها العام الذي أخذ منّا، في نظر كثيرين، أغلى الرجال. سيبقى الجدل حولهم قائمًا، لكن المؤكد أن أسماءهم ستظل حاضرة في ذاكرة زمنٍ عربيّ لم يكن فيه الوقوف على الحياد خيارًا سهلًا ، ولا اتخاذ الموقف قرارًا بلا ثمن.
