– الموضوع هو وصول المفوّضة الأميركية السامية المنتدبة على لبنان مورغان أورتاغوس إلى بيروت، وليس خافياً أن جدول أعمالها يتضمّن بنداً وحيداً، هو مساءلة الدولة اللبنانية وخصوصاً رئيس الجمهورية، حول سبب التأخر في طرح إنهاء ملف سلاح حزب الله على الطاولة. ولسنا هنا بوارد مناقشة طروحات اللبنانيين الفرحين بأورتاغوس والمحتفلين بموقفها المتطابق مع الموقف الإسرائيلي، ولا مساءلتهم عن حدود وطنيتهم وتعريفها، وقد بدأ بعضهم ينهش في لحم الرئاسة التي لم يجفّ حبر قصائدهم في مديحها، لمجرد صدور أمر عمليات أميركي بالتطاول على شخص الرئيس الآتي من خيار الصداقة مع أميركا، والملتزم بما تمّ الاتفاق عليه معها، بأن انسحاب حزب الله من جنوب الليطاني يشكل دفعة أولى على الحساب كافية لضمان واشنطن انسحاب «إسرائيل» من الأراضي الواقعة ضمن الخط الأزرق ووقف اعتداءاتها على لبنان، ليفتح الباب لمرحلة ثانية، يكون فيها حسم النقاط المتحفّظ عليها من جانب لبنان بين الخط الأزرق وخط الهدنة مقابل حصريّة استخدام السلاح بيد الدولة، ولو بقي هناك سلاح بيد المقاومة. وهذا مفهوم انتقال قرار السلاح الى الدولة، وما يسمّيه رئيس الحكومة بقرار السلم والحرب، ومن هناك إلى استراتيجية دفاعية فيها نقاش صريح حول مستقبل دور سلاح المقاومة، تكون الدولة فيه مفاوضاً من موقع قوة وقد أنجزت عبر الدبلوماسية والدعم الأميركي ما يوجب على المقاومة الاعتراف أنها ما كانت قادرة على تحقيقه بالكلفة ذاتها. والآن لأن أميركا هي من أخلفت بالاتفاق مراعاة لما تريده «إسرائيل» ولم تأبه لكل فرصة قيام مشروع دولة لبنانية صديقة، دولة تحتاج حصانتها أن تظهر واشنطن حرصاً على الوفاء بالضمانات التي قدّمتها لا أكثر ولا أقل.
– سوف لا نتخذ موقع الدفاع عن المقاومة وسلاحها تسهيلاً للبحث والنقاش، ونكتفي بالسؤال من موقع لبناني ساذج لا خبرة لديه بوجود العدوانيّة الإسرائيليّة، ولديه شكوك بالأطماع الإسرائيلية، لكنه يخشى من أن تؤدي به السذاجة إلى فقدان كل عناصر القوة دون مقابل، أمام ما يجري مع غزة من حرب إبادة إسرائيلية متوحشة، وما يجري مع سورية من تنمّر وتغوّل إسرائيلي على حساب السيادة السورية والكرامة السورية رغم كل المكاسب التي حققتها «إسرائيل» بتغيير الوضع في سورية. وفي الحالتين صمت أميركي بأحسن الأحوال، ليصبح السؤال اللبنانيّ الساذج للسيدة أورتاغوس المسؤولة عن لبنان واللبنانيين بتوقيع سامّ من الرئيس دونالد ترامب، هو ماذا تحمل لنا السيّدة المفوضة السامية مقابل المطالبة بنزع سلاح حزب الله، كي نتمكن من الوقوف معها والضغط على رئيس الجمهورية ليقبل تعديل الروزنامة التي صاغتها واشنطن وعدّلتها دون علمه ودون علم لبنان واللبنانيين؟
– السؤال البديهيّ، هل تحمل لنا المفوّضة الأميركية السامية مقابل السلاح المطلوب نزعه، وعداً باستعادة الأراضي داخل الخط الأزرق وسهولة التفاوض على الباقي داخل خط الهدنة، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، وصولاً إلى وقف انتهاك الأجواء اللبنانيّة، رغم أن تجربة «إسرائيل» على الصعيدين لا تبشّر بالخير، سواء إنهاء الاحتلال ووقف العدوان في مرحلة أولى، أو سهولة التفاوض في مرحلة ثانية، فهل توجد ضمانة أميركية بتحقيق هذه الوعود، لكن هل تعلم السيدة أورتاغوس أن ما نحن بصدده الآن ناجم عن ضمانات قدّمتها واشنطن ونكثت بها. فما الضمانة لعدم تكرار التراجع عن الضمانات، ودخول تعديل جديد على الروزنامة الأميركيّة ومطالبتنا مجاراتها بعد نزع السلاح، كما حدث للتوّ، والقول اذهبوا إلى مفاوضات اتفاق سلام وإلا لن يحدث شيء مما تريدون، وبعدها تعديل جديد، مياه الليطاني تذهب إلى البحر و«إسرائيل» تحتاجها وهي أحقّ منكم بها، ثم وما حاجتكم للتلال التي تمثل مواقع هامة لطمأنة مستوطني الشمال. الحقيقة هي أن ضمانة الغد تشبه ضمانة الأمس، فلا نملك إذا لبينا الطلبات إلا أن نعضّ أصابعنا ندماً، وما هو عزاؤنا؟ اعتذار من وزير الخارجية أنه وتياره وحزبه قد استعجلوا ولكن بنيّة حسنة وهم آسفون لأن الأمور لم تسَر كما توقعوا؟
– إذا كان الحديث عن ضمانة جديدة تشبه الضمانة القديمة الملغاة بقرار من طرف واحد، يشبه من يقول إنه سوف يسدّد قيمة شيك صادر عنه تبين أنه دون رصيد بإصدار شيك جديد يعلم سلفاً أنه دون رصيد أيضاً، وإذا كان السؤال عن إضعاف حزب الله وتقوية لبنان، وليس إضعاف حزب الله لإضعاف لبنان، فهل تحمل لنا السيدة المفوضة السامية عرضاً لتجهيز الجيش اللبناني بشبكة دفاع جوي حديثة، والجيش اللبناني هو جيش صديق من وجهة النظر الأميركيّة، ولا نتحدث لا عن سلاح جو ولا عن سلاح مدرعات، يكفينا الدفاع الجوي علامة حسن نيّة أميركيّة لتقوية لبنان وتعويضه عن سلاح حزب الله، والسير خطوة خطوة في الأمرين، واعتبار هذه المساعدة لتقوية لبنان حافزاً لتسريع البحث بأمر سلاح حزب الله؟
– إذا كان مجرد امتلاك لبنان شبكة دفاع جويّ مرفوض أميركياً إلى حدّ تهديد الدولة اللبنانيّة بالعقوبات، إذا فكرت بامتلاك هذه الشبكة من مصادر أخرى، فهل تحمل لنا السيدة المفوضة السامية عرضاً شاملاً لحل قضايا لبنان، خصوصاً ما يتّصل منها بإجماع اللبنانيين على رفض التوطين، وحلّ قضية اللاجئين الفلسطينيين وقد كان بعضهم يعتقد أنه يمكن لبنان أن يدّخر سلاح المقاومة ليفاوض على مستقبل حل قضية اللاجئين الفلسطينيين. وفي السياق وتعبيراً عن حسن النية فتح الطريق لحل قضيّة النازحين السوريين ورفع الحظر عن حلّه نهائياً؟
– إذا كان كل ما تحمله السيدة المفوّضة السامية هو فقط إملاءات وتهديدات، فيحقّ لمن شاء الذل أن يقبل، لكنه لا يملك الحق بمطالبة سائر اللبنانيين بالتخلي عن كرامتهم وارتضاء الذل والهوان.
ناصر قنديل