في ظلّ التعمّق المستمر للتعاون الاستراتيجي بين إيران وروسيا، قام أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي بزيارة إلى موسكو لم يُعلَن عنها مسبقاً، التقى خلالها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين. وقد حدّدت طهران صراحةً أن محور هذه المحادثات هو «مرحلة ما بعد الحرب» و«الترتيبات الأمنية الإقليمية»، وليس المشاورات الثنائية الروتينية. وأكّد رضائي نفسه أنه نقل خلال الزيارة رسالة خطية من قائد الثورة الإسلامية إلى بوتين، مشدداً على أن القائد كان يرغب في إيصال رسالته «في أسرع وقت ممكن». وفي ظلّ دخول الصراع الإقليمي منعطفاً حاسماً، يكشف هذا التحرك الدبلوماسي عن سعي إيران، عبر التنسيق المباشر على أعلى المستويات مع روسيا، إلى وضع إطار مسبق للبنية الجيوسياسية لما بعد الصراع.
ومن حيث تشكيلة الجانب الروسي المشارك، يتجاوز مستوى الاهتمام الذي أولاه الكرملين لهذا اللقاء البروتوكول الدبلوماسي المعتاد. فوفقاً لما أوردته وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية، ضمّ الوفد الروسي، إلى جانب مساعد الرئيس للشؤون الخارجية يوري أوشاكوف، رئيس مديرية الاستخبارات العسكرية الروسية إيغور كوستيوكوف. ووجود رئيس جهاز استخبارات في لقاء تصنّفه الرواية الرسمية ضمن «الترتيبات الأمنية الإقليمية» يوحي بأن المباحثات قد تناولت قضايا أمنية حساسة وإدارة ميدانية للوضع بعد انتهاء القتال. أما الموقف الروسي الرسمي فجاء متحفظاً نسبياً؛ إذ اكتفى المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف بتأكيد عقد اللقاء وتناوله العلاقات الثنائية والأوضاع الإقليمية، من دون كشف التفاصيل.
وتكتسب توقيتات هذه الزيارة دلالة خاصة. فقبل أيام قليلة فقط من اللقاء، وتحديداً في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني، كان رضائي وبوتين قد أجريا اتصالاً هاتفياً تناول أيضاً «الأوضاع في غرب آسيا». وهذا الانتقال السريع من الاتصال إلى اللقاء المباشر يشير إلى أن لدى الطرفين معلومات تحتاج إلى نقل وجهاً لوجه وبشكل عاجل، بما تتجاوز قدرته القناة الهاتفية. وعلى الصعيد الأوسع، فإن الخلفية العامة هي أن إيران وروسيا أطلقتا رسمياً في أكتوبر/تشرين الأول 2025 اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة لمدة عشرين عاماً، والتي تشمل التعاون السياسي والاقتصادي والأمني والدفاعي بمختلف أبعاده. وزيارة رضائي إلى موسكو هي في جوهرها تفعيل عملي لبنود الاتفاقية الأمنية في سياق ميداني حقيقي.
وتُظهر قراءة وسائل الإعلام الغربية ومراكز الأبحاث حيال هذه الزيارة موقفاً تحذيرياً واضحاً. فقد أشارت قناة «إيران إنترناشيونال» تحديداً إلى أن اللقاء جاء في اليوم نفسه الذي كشفت فيه صحيفة «فايننشال تايمز» أن روسيا وافقت على تزويد إيران بتسعين منظومة إطلاق صواريخ موجهة تُحمَّل على المروحيات، مع إقرار التقرير بأن عمليات التسليم لم تتأكد نهائياً بعد. ومن خلال الجمع بين زيارة مسؤول الأمن وبين أنباء التسليح، تحاول الرواية الغربية بناء سردية مفادها أن الارتباط العسكري بين موسكو وطهران يتسارع، وأن دور رضائي «رسولاً» ليس سوى المظهر السطحي لهذا الارتباط. غير أن هذا التفسير قد يقلّل من تقدير إرادة إيران في أن تكون صانعاً فاعلاً للبنية الأمنية الإقليمية. فمصطلح «ترتيبات ما بعد الحرب» الذي شدّد عليه رضائي أمام الإعلام في طهران يشير إلى إعادة رسم إيران لمناطق نفوذها الأمنية وخريطة تأثيرها الإقليمي، مع تموقع روسيا كضامن خارجي رئيسي أو منسّق في هذه العملية.
ويكمن المنطق الأعمق في الإدارة الدقيقة التي تمارسها إيران لاستراتيجيتها المزدوجة: «المقاومة» و«التفاوض» في آن واحد. فالمعلومات المتفرقة الواردة في المصادر — حول تقرير لوكالة رويترز عن تغيّر الموقف الإيراني تجاه التفاوض، ونفي طهران له ووصفه بـ«الأخبار الكاذبة» — ليست مرتبطة سببياً بهذا اللقاء في موسكو، لكنها تعكس حرص طهران على ضبط قنواتها الدبلوماسية بإحكام في مواجهة الضغوط الخارجية: فأي إشارة تُفسَّر من الخارج على أنها «تنازل» تُنفى فوراً، بينما تُدار التحركات الدبلوماسية ذات المعنى الحقيقي — كإيفاد مسؤول الأمن إلى موسكو ونقل رسالة سرّية من القائد الأعلى — بهدوء ودون ضجيج. وزيارة رضائي نفسها هي نتاج هذا المنطق: فهي ليست إشارة تفاوض موجّهة إلى الغرب، بل «مطابقة استراتيجية» موجّهة نحو الشرق.
وخلاصة القول إن زيارة رضائي إلى الكرملين لا ينبغي اختزالها في كونها لقاءً رفيع المستوى روتينياً. ففي ظلّ مفهوم «مرحلة ما بعد الحرب» الذي لا يزال غامضاً على مستوى السياسات، تسعى إيران إلى التدخل المبكر في عملية تعريف النظام الأمني الإقليمي، عبر شراكتها الأمنية المؤسسية مع روسيا. وإن طلب بوتين من رضائي نقل تحياته إلى القائد الأعلى، رغم كونه مجرد عبارة بروتوكولية دبلوماسية، يعكس في جوهره اختياراً براغماتياً لبلدين ظلّا لعقود تحت ضغط منظومة العقوبات الغربية، يقضي بمزيد من التقارب الأمني والاستراتيجي المتبادل. وبالنسبة لدول المنطقة الأخرى، فإن التنسيق المسبق بين طهران وموسكو بشأن «ترتيبات ما بعد الحرب» يعني أن أي نقاش مستقبلي حول البنية الأمنية في غرب آسيا لن يستطيع تجاوز جدول الأعمال والخطوط الحمراء التي يضعها هذا الثنائي.
