في العاصمة واشنطن، تتقاطع أزمة عسكرية خارجية مع زلزال سياسي داخلي، لتضع إدارة ترامب أمام واحدة من أكثر اللحظات حرجاً منذ عودتها إلى البيت الأبيض. فبعد أن مني الجمهوريون بهزيمة ساحقة في انتخابات التجديد النصفي، تحوّلت الأنظار داخل الحزب الجمهوري نفسه إلى وزير الحرب بيت هيغسيث، الذي يبدو أنه بات يتحمل العبء الأكبر لحرب إيران التي ألقت بظلالها الثقيلة على الاقتصاد الأمريكي ومزاج الناخبين. وبينما يتمسك الرئيس ترامب علناً بوزيره، تتحدث مصادر مقربة عن بحث محموم داخل دائرة الرئيس عن بدائل، في مؤشر على أن الحسابات السياسية بدأت تتغلب على الولاء الشخصي.
تشير المعطيات المتقاطعة إلى أن التصويت على عزل هيغسيث، الذي قد يعقده مجلس النواب في وقت مبكر من الأسبوع المقبل، لم يعد مجرد تهديد من المعارضة الديمقراطية، بل أصبح مطلباً يلقى دعماً متوقعاً من نواب جمهوريين . ويأتي هذا التحول الدراماتيكي في موقف الحزب الجمهوري بعد أن أدرك العديد من المشرعين أن استمرار هيغسيث في منصبه يمثل عبئاً سياسياً مباشراً، خاصة بعد أن أقر نائب الرئيس جي دي فانس بأن “سبب خسارتنا هو الحرب” . هذا التصريح، الذي جاء على لسان الرجل الثاني في الإدارة، لم يكن مجرد تشخيص للهزيمة، بل كان إشارة واضحة إلى أن البحث عن مسؤول عن الفشل قد بدأ، وأن هيغسيث هو المرشح الأول لدفع الفاتورة.
تكمن جذور الأزمة في الطريقة التي أدارت بها وزارة الحرب ملف المواجهة مع إيران. فوفقاً لمصادر جمهورية تحدثت لشبكة “سي إن إن”، فإن هيغسيث قدم معلومات غير دقيقة أو مضللة بشأن الجداول الزمنية والأهداف العسكرية منذ بداية المواجهة . وتذهب اتهامات المشرعين الجمهوريين إلى أبعد من ذلك، حيث يجادلون في الكواليس بأن هيغسيث لعب دوراً رئيسياً في إقناع ترامب بشن هجوم على إيران “دون استراتيجية للخروج” و”دون خطة للتعامل مع التداعيات السياسية الحتمية” . وبالنسبة لهؤلاء المشرعين، لم تكن المشكلة في الحرب نفسها فحسب، بل في الطريقة التي قاد بها وزير الحرب البيت الأبيض نحو “مستنقع” استنزف الموارد الأمريكية، ورفع أسعار الطاقة، وأدى في النهاية إلى تمرد الناخبين في صناديق الاقتراع .
لكن المفارقة تكمن في أن الرئيس ترامب، وعلى الرغم من إقراره بأن الحرب كانت “جزءاً” من أسباب الخسارة، يرفض التخلي عن وزيره . فقد صرح للصحفيين بأن هيغسيث “يقوم بعمل جيد للغاية”، وأبلغ مساعديه بضرورة أن يتصدى الوزير لأي محاولات لعزله أو تحقيق . هذا التمسك يضع ترامب في مواجهة مباشرة مع تيار متصاعد داخل حزبه يطالب بتغيير المسار. ويبدو أن الرئيس يحاول من خلال هذا الموقف حماية نفسه من تبعات القرار، فالدفاع عن هيغسيث هو في جوهره دفاع عن قرار الحرب الذي اتخذه هو شخصياً. غير أن هذا الولاء قد يكون مكلفاً، إذ تشير مصادر مطلعة إلى أن ترامب “يواصل استطلاع آراء حلفائه حول أداء الوزير”، مما يترك الباب موارباً أمام احتمال التضحية به في وقت لاحق .
على الجانب الآخر، يستعد الديمقراطيون للاستفادة من سيطرتهم الجديدة على الكونغرس لفتح سلسلة من التحقيقات التي ستطال هيغسيث وإدارته للحرب . وستشمل هذه التحقيقات ليس فقط قرارات الحرب والضربات العسكرية، بل أيضاً طريقة تعامله مع المخزونات العسكرية والضغوط التي مارستها وزارته على ضباط عسكريين لتقديم روايات إعلامية معينة. وفي هذا السياق، يبدو أن هيغسيث، الذي لطالما كان شخصية استقطابية حتى داخل حزبه، بات الآن محاصراً بين غضب الناخبين، وحسابات الزملاء السياسية، وطموحات المعارضة في كشف ملابسات الحرب.
في المحصلة، تعكس هذه الأزمة لحظة انتقالية في السياسة الأمريكية، حيث تتحول الحرب من أداة لفرض الإرادة الخارجية إلى عبء يهدد الاستقرار الداخلي. وبينما يحاول الجمهوريون ترميم صفوفهم عبر البحث عن كبش فداء، يجد ترامب نفسه مضطراً للمناورة بين حماية رجل اختاره بنفسه وبين الاستجابة لمطالب حزبه الذي بدأ يتلمس طريقه نحو مرحلة ما بعد الهزيمة. أما هيغسيث، فيبدو أنه يدرك أن أيامه في البنتاغون قد تكون معدودة، وأن الحرب التي أشعلها في طهران قد انتهت إلى معركة سياسية في واشنطن هو أول من سيدفع ثمنها.
وقد يكتشف ترامب متأخراً أن أسهل الحروب هي التي تعلنها، وأصعبها تلك التي تُعلن عليك في الداخل.
