قبل ساعات من انطلاق عملية التصويت في الانتخابات النصفية الأمريكية، وفي اليوم الذي تحتفل فيه إيران سنوياً بـ”يوم مكافحة الاستكبار العالمي”، أصدر حرس الثورة الإيرانية بياناً مقتضباً لكنه ثقيل الدلالات، أعلن فيه أن “معلومات عسكرية مؤكدة” وصلت إليه تشير إلى وجود نوايا لدى العدو لاستهداف مراكز حساسة في العاصمة طهران، وتوعد بأن أي عدوان صهيوني-أمريكي لن يمر دون رد، وأن الأعداء “سيرون ما لم يتوقعوه” وسيواجهون “نيراناً كثيفة ومركزة” في حال ارتكاب أي حماقة.
البيان، رغم قصر نصه، يندرج في سياق تصعيد متعدد المستويات بدأ يتبلور منذ أسابيع. فقبل أيام من صدوره، كانت تقارير إعلامية أمريكية وغربية قد تحدثت عن استعدادات عسكرية أمريكية لضربة محتملة ضد إيران بعد الانتخابات النصفية، ونقلت عن مسؤولين مجهولين أن واشنطن أبلغت حلفاءها في الخليج بالاستعداد لـ”جولة قصيرة ومكثفة” من الضربات. وفي هذا الإطار، جاء بيان حرس الثورة الإيرانية كرد فعل مباشر على ما وصفه بـ”الحرب النفسية” الأمريكية، ليؤكد أن طهران لا تتعامل مع التهديدات بمنطق الانتظار، بل بمنطق الردع الاستباقي.
اللافت في البيان أنه لم يكتفِ بالصيغة التقليدية للتهديد، بل رفع سقف الردع إلى مستوى غير مسبوق من الغموض المقصود. فالتعبير “سيرون ما لم يتوقعوه” ليس مجرد بلاغة عسكرية، بل هو إعلان عن أن نطاق الرد وشكله سيتجاوزان الحسابات التقليدية للعدو. وقد سبق أن أوضح المسؤولون الإيرانيون في تصريحات موازية أن الرد سيكون “فورياً وفعالاً وبدون قيود جغرافية”، وأن بنك الأهداف قد تم تحديثه ليشمل “الأصول المادية وغير المادية للعدو”. أي أن “النيران الكثيفة” التي يتحدث عنها البيان ليست مجرد صواريخ على قواعد عسكرية، بل قد تمتد إلى مصالح استراتيجية أوسع، وهو ما يرفع تكلفة أي ضربة أمريكية إلى مستوى غير قابل للاحتساب المسبق.
التوقيت نفسه يحمل دلالة مزدوجة. فصدور البيان يوم الانتخابات النصفية الأمريكية ليس مصادفة؛ إنه رسالة موجهة إلى واشنطن مفادها أن طهران تتابع التحولات السياسية الداخلية الأمريكية وتدرك أن بعض الأصوات قد تدفع نحو “حرب قصيرة” لتحويل الانتباه عن الإخفاقات الداخلية. وبالمقابل، فإن اختيار هذا اليوم بالذات، الذي يوافق ذكرى سنوية مناهضة لأمريكا في إيران، يمنح البيان شرعية داخلية ويوظف المناسبة لتعزيز الجبهة الداخلية في مواجهة الخارج.
لكن قراءة البيان بعيداً عن الضجيج الإعلامي تكشف أن جوهره ليس الإعلان عن نية الحرب، بل إدارة التوقعات. فحرس الثورة الإيرانية لم يقدم أي تفاصيل عن طبيعة الرد أو توقيته أو أهدافه، وهذا الغموض هو بالضبط ما يمنح التهديد قوته. ففي منطق الردع، لا يكون التهديد فعالاً عندما يكون محدداً وقابلاً للاحتواء، بل عندما يكون مفتوحاً على احتمالات متعددة تجعل العدو غير قادر على التنبؤ بالثمن الحقيقي. وبهذا المعنى، فإن بيان حرس الثورة الإيرانية هو في جوهره رسالة تقول لواشنطن: “حتى الضربة المحدودة قد تجرّك إلى رد غير محدود، فهل أنت مستعد لدفع هذا الثمن؟”
يبقى أن البيان وحده لا يكفي لتبديد الغموض حول ما إذا كانت الضربة الأمريكية وشيكة فعلاً. فجميع التقارير التي تحدثت عن “ضربة غداً” ظلت مستندة إلى مصادر مجهولة، بينما ظل الموقف الرسمي الأمريكي متحفظاً، مكتفياً بالقول إن الرئيس “لم يتخذ قراراً بعد”. وهذا يعني أن بيان حرس الثورة الإيرانية، رغم حدة نبرته، هو جزء من معادلة ردع متبادلة، وليس إعلاناً عن حرب قادمة. فإيران ترفع سقف التهديد لتجعل تكلفة أي مغامرة عسكرية باهظة، والولايات المتحدة تلوّح بالضربة لتنتزع تنازلات في أي مفاوضات قادمة. وفي هذه المنطقة الرمادية بين التهديد والتفاوض، يبقى السؤال الأهم: هل يكفي الردع المتبادل لمنع الانزلاق إلى حرب لا يريدها أحد، أم أن الحسابات السياسية الداخلية في واشنطن قد تدفع نحو مغامرة لا تحسب نتائجها بدقة؟
بالنسبة للمراقبين، فإن بيان حرس الثورة الإيرانية يستحق الاهتمام ليس لأنه يعلن عن حرب، بل لأنه يعكس قناعة إيرانية بأن أي ضربة قادمة لن تكون محدودة الأثر، وأن طهران ستتعامل معها بمنطق “الرد غير المحدود جغرافياً”. وهذه القناعة، إذا ما التقت مع حسابات أمريكية خاطئة، قد تكون هي نفسها الخطر الأكبر.
