​تحولت ظاهرة “الارتزاق العسكري” في القرن الحادي والعشرين من نشاط فردي هامشي إلى صناعة عابرة للحدود تعتمد على إستراتيجية ممنهجة: تفقير الشعوب، تجويع الشباب، وتجريدهم من أفق الأمل، ثم إعادة تصديرهم وقوداً في الحروب بالوكالة.

​ولم تعد هذه الظاهرة قاصرة على الشركات الأمنية الغربية التقليدية، بل أصبحت تعتمد بشكل أساسي على تجنيد أبناء الدول التي نهكتها النزاعات الداخلية والأزمات الاقتصادية الخانقة، كما هو الحال في كولومبيا وسوريا.

​أولاً: النموذج الكولومبي.. من حرب العصابات إلى “سوق الارتزاق العالمي”

​تتمتع كولومبيا بخصوصية فريدة في هذا الملف؛ فبسبب عقود طويلة من المواجهات المسلحة ضد تنظيمات العصابات وعصابات تهريب المخدرات، تكرس بأس الجيش الكولومبي وتدريبه وفق أعلى المعايير (غالباً بإشراف وتدريب أمريكي مباشر).

​ومع وجود أعداد كبيرة من المتقاعدين العسكريين والجنود المسرحين سنوياً، والذين يجدون أنفسهم أمام معاشات تقاعدية ضئيلة وفرص عمل معدومة في اقتصاد محلي مأزوم، يصبح خيار “تصدير الخبرة القتالية” للتدخل في صراعات عابرة للقارات هو المنفذ المالي الوحيد.

​خريطة الانتشار الكولومبي:
  • ​اليمن وحرب الخليج: شهدت السنوات الماضية الاستعانة بمئات المرتزقة الكولومبيين للحراسة والقتال في اليمن لصالح التحالفات الإقليمية.
  • ​الاغتيالات السياسية: برز اسم المرتزقة الكولومبيين في عمليات اغتيال عابرة للحدود، مثل واقعة اغتيال رئيس هايتي جوفينيل مويس عام 2021.
  • ​المستنقع الأوكراني-الروسي: تمثل الحرب الأوكرانية الروسية المحطة الأكثر دموية وكثافة للمرتزقة الكولومبيين.
​ثانياً: كلفة نزيف الدماء.. الأرقام المأساوية للخارجية الكولومبية

​تؤكد البيانات الرسمية مدى الفاجعة التي حلت بالشباب الكولومبي المندفع نحو حروب الآخرين. فقد كشفت وزارة الخارجية الكولومبية عن أرقام صادمة تعكس حجم الكارثة الإنسانية للقتلى والمفقودين في الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا؛ إذ بلغ إجمالي القتلى المعلن عنهم 250 كولومبياً على الأقل، فيما وصل إجمالي المفقودين إلى نحو 1000 مفقود.

​وعند توزيع هذه الخسائر حسب الجبهات، يتضح أن في الجانب الأوكراني قُتل 162 كولومبياً وفُقد 666 آخرون، وفي الجانب الروسي قُتل 94 كولومبياً وفُقد 297 آخرون.

​توضح هذه الأرقام أن المرتزقة الكولومبيين باتوا يقاتلون على طرفي النزاع نفسه؛ كولومبي يقتل كولومبياً آخر على أرض شرق أوروبا، لصالح قوى دولية لا تعبأ بمصيرهم.

​وفي هذا السياق، وجه نائب وزير الهجرة الكولومبي بيدرو أغوستين روا تحذيراً شديد اللهجة للكولومبيين يدعوهم فيه إلى توخي أقصى درجات الحذر حيال عروض العمل في الخارج، وخصوصاً تلك المرتبطة بأنشطة عسكرية، مؤكداً أنه بالنسبة لمن يقررون مغادرة البلاد للمشاركة في نزاعات دولية مسلحة، توجد قيود صارمة على الحماية والمساعدة القنصلية في مناطق النزاع، مما يتركهم لمصيرهم المحتوم دون أي سند قانوني أو دبلوماسي.

​ثالثاً: المأساة السورية.. تحويل المعاناة إلى “سلعة مقاتلة”

​على الجانب الآخر من العالم، تكررت المأساة ذاتها مع الشعب السوري. فبعد أكثر من عقد من الحرب والدمار الشامل وتداعي الاقتصاد، وجد الشباب السوري أنفسهم في بيئة خالية من أي مقومات للحياة: فقر مدقع، بطالة قياسية، وانعدام لأي أفق مستقبلي.

​تم استغلال حالة الجوع والتجهيل هذه بأسلوب نفعي ومباشر:

  1. ​ليبيا وإقليم قره باغ: جرى نقل آلاف الشباب السوريين للقتال كمرتزقة في أذربيجان وليبيا تحت شعارات ومغريات مالية تسد رمق عائلاتهم المحاصرة.
  2. ​الحرب الروسية في أوكرانيا: استقطاب شبان سوريين للقتال إلى جانب القوات الروسية مقابل رواتب شهرية ووعود بتسهيلات أمنية.
  3. ​الجبهات اليمنية: تشير التقارير والبيانات الحديثة إلى إرسال المئات من المرتزقة السوريين إلى اليمن مؤخراً للقتال لصالح السعودية، في استمرار واضح لاستثمار دماء المحتاجين وتوظيفهم في صراعات الإقليم.
​رابعاً: البنية التحليلية: ديناميكية “الهندسة الاجتماعية للجوع”

​إن التحليل العميق لهذه الظاهرة يكشف عن ميكانيكية مظلمة تعتمدها القوى الدولية والشركات الأمنية الخاصة، تبدأ بتدمير أو إضعاف الاقتصاد المحلي، مروراً بصناعة الفقر وانسداد الأفق المتمثل في التفقير الممنهج، وصولاً إلى ظهور العروض المالية الخارجية المتمثلة في عقود الارتزاق، لينتهي الأمر بتحويل المواطن إلى لحوم رخيصة في حروب الوكالة.

​1. سلاح الفقر وأزمة الرواتب:

​المرتزق الحديث لا يقاتل غالباً بوازع أيديولوجي أو عقائدي، بل يقاتل بدافِع البقاء. الرواتب التي تُعرض في عقود الارتزاق (والتي تتراوح غالباً بين ألفين إلى ثلاثة آلاف دولار شهرياً) تمثل ثروة هائلة لشخص يعيش في بلد يسود فيه الفقر وتصل فيه الأجور إلى أقل من خمسين دولاراً.

​2. التملص من المسؤولية الأخلاقية والقانونية:

​تفضل الدول الكبرى والإقليمية استخدام المرتزقة (سواء كانوا كولومبيين أم سوريين) لأنهم يمثلون قوة بشرية رخيصة وقابلة للاستهلاك؛ فلا تترتب على مقتلهم أزمات سياسية داخلية، ولا تُحسب خسائرهم ضمن القوائم الرسمية للجيوش، كما تُعفى الحكومات من التزامات التعويضات والمساعدة القنصلية كما صرّح المسؤول الكولومبي.

​3. الخبرة العسكرية المكتسبة كـ “سلعة”:

​في كولومبيا، تُستغل الخبرة الناتجة عن حرب العصابات والتأهيل الأمريكي. وفي سوريا، تُستغل الخبرة المُعمدة بالدم الناتجة عن سنوات الحرب الشرسة في المدن والجبهات المفتوحة. وفي الحالتين، تُباع هذه الخبرات لمن يدفع أكثر.

​ختاماً: إنسانية مهدورة في شريعة الغاب الدولية

​إن تحويل المواطنين الكولومبيين والسوريين إلى مرتزقة يمثل إحدى أبشع صور الاستغلال البشري في العصر الحديث. إنها جريمة لا يتحمل مسؤوليتها المرتزق الذي دفعه الجوع والفاقة لخوض حروب لا ناقة له فيها ولا جمل، بل تقع المسؤولية الكاملة على أنظمة وسياسات الإفقار التي تجرد المواطن من كرامته وحقه في الحياة والعمل الشريف، وشبكات التجنيد والشركات الأمنية التي تتربح من الموت وتتاجر بأزمات الشعوب، والقوى الإقليمية والدولية التي تستسهل شراء دماء الفقراء لتنفيذ أجنداتها الجيوسياسية دون دفع الثمن السياسي أو البشري من أبناء مجتمعاتها.

​طالما بقي الجوع إستراتيجية للتطويع، وطالما ظلت الصراعات الدولية تُدار بالوكالة، ستظل دماء الشباب في العالم النامي هي الوقود الأرخص لمطامع القوى الكبرى.

د. نبيلة عفيف غصن