في الوقت الذي يحاول فيه الكيان الصهيوني جاهداً أن يقدّم نفسه للعالم بوصفه “الديمقراطية الوحيدة في غرب آسيا”، فإن نتائج انتخابات الكنيست لعام 2026 — التي أعلنتها هيئة البث “كان 11” — تسلّط الضوء على تناقض صارخ: فبينما يروّج الكيان لصورة المؤسسات الانتخابية الحرة، فإن الإبادة الجماعية في غزة قد فتحت جراحاً داخلية عميقة، بحيث لم يعد بإمكان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن يحتفظ بمعسكره الحاكم فحسب، بل إن الطوفان الذي بدأ في السابع من أكتوبر قد أعاد رسم خريطة السلطة في الكيان الصهيوني، وأضعف رجلاً كان يُعتبر لسنوات “الزعيم الأقوى” ودفعه إلى هامش السلطة — وإن لم يُسقطه بعد.

تراجع معسكر نتنياهو إلى 50 مقعداً

وفقاً لعينة هيئة البث “كان 11″، حصل حزب الليكود بقيادة نتنياهو على 25 مقعداً، ولا يزال أكبر حزب منفرد. لكن معسكر نتنياهو بأكمله (بما في ذلك الليكود، شاس، يهدوت هتوراه، الصهيونية الدينية، عوتسما يهوديت) لم يحصل إلا على 50 مقعداً فقط، بينما حصل معسكر التغيير (يشار بزعامة غادي آيزنكوت 21 مقعداً، معاً/بيحد 14 مقعداً، الديمقراطيون 10 مقاعد، الأحزاب العربية 17 مقعداً، إسرائيل بيتنا 8 مقاعد، إلخ) على 70 مقعداً. حزبا عمخا يسرائيل (بقيادة عوفر وينتر) وهندل وزليخا لم يتجاوزا نسبة الحسم الانتخابية.هذه الأرقام تتوافق بشكل أساسي مع البيانات الصادرة عن القنوات 12 و13، مع وجود فروق طفيفة في المقاعد لا تؤثر على الاستنتاج الأساسي: معسكر نتنياهو بعيد عن عتبة 61 مقعداً المطلوبة للأغلبية.

علاوة على ذلك، لم يحصل معسكر نتنياهو في هذه الانتخابات إلا على حوالي 50 مقعداً، مقارنة بـ 64 إلى 68 مقعداً في الكنيست السابق، مما يعني خسارة ما بين 14 و18 مقعداً. وهذه هي المرة الأولى منذ عام 2009 التي يتراجع فيها الليكود إلى هذا المستوى.

تحليل غالي كوهين: ثلاث قراءات باردة للبيانات

قدّم غالي كوهين، مراسل الشؤون السياسية في هيئة البث “كان 11″، قراءة تحليلية لنتائج العينة تستند إلى البيانات وليس إلى الموقف السياسي. يمكن اختزال تحليله في ثلاث ملاحظات جوهرية:

الملاحظة الأولى: الليكود أكبر حزب، لكن معسكر نتنياهو بلا أغلبية. يميز كوهين بوضوح بين حجم الحزب الأول وقدرة معسكره على الحكم. فحصول الليكود على 25 مقعداً لا يعني أن معسكر نتنياهو قادر على جمع 61 صوتاً. هذه الملاحظة تفكك الافتراض الشائع بأن “الفائز بالأكبر يحكم”، وتعيد التركيز على الهندسة البرلمانية للمعسكرات بدلاً من ترتيب الأحزاب المنفردة.

الملاحظة الثانية: الحكومة الحالية تتراجع من 64/68 إلى نحو 50 مقعداً — وهي المرة الأولى منذ 2009. هنا يضع كوهين التراجع في سياقه التاريخي: ليس مجرد خسارة انتخابية عابرة، بل أدنى مستوى يبلغه تكتل نتنياهو منذ 2009. هذا التأطير التاريخي يمنح الرقم دلالة تتجاوز العدد، ويشير إلى تحول بنيوي في خريطة التحالفات وليس مجرد تقلب في الرأي العام.

الملاحظة الثالثة: ارتفاع نسبة التصويت يقلل من سيناريو جولة انتخابات إضافية. يربط كوهين بين نسبة الإقبال واحتمالية تكرار الانتخابات: الإقبال المرتفع يعزز عادة أصوات المعارضة والأحزاب العربية، مما يجعل إعادة الانتخابات أقل جدوى لنتنياهو. هذه الملاحظة ذات طابع استراتيجي — فهي لا تصف الواقع فقط، بل تحدد أحد الخيارات المتبقية لنتنياهو وتقلل من جدواه.

ما يميز تحليل كوهين أنه لا يتنبأ بالنتيجة النهائية ولا يقدم توصيات، بل يقدم قراءة باردة للبيانات تكشف المفارقة المركزية: نتنياهو فاز كزعيم أكبر حزب، لكنه خسر كقائد لمعسكر حاكم. وهذه المفارقة هي مفتاح فهم المرحلة المقبلة.

الطوفان والسياق: كيف أصبحت الحرب عبئاً انتخابياً

لا يمكن فهم هذا التراجع المفاجئ لنتنياهو بمعزل عن حرب غزة التي بدأت في 7 أكتوبر 2023. بعد أكثر من عامين من الحرب، أصبح الناخب الصهيوني يواجه حسابات مختلفة: التكلفة البشرية والاقتصادية للحرب، أزمة الرهائن، الانقسام حول قانون التجنيد، والتصدع في الثقة بالقيادة الأمنية التي كانت تشكل رأس مال نتنياهو السياسي الأهم.

التفسير المباشر لهذا التراجع مزدوج:

أولاً، فشل الأحزاب الصغيرة الموالية لنتنياهو في تجاوز نسبة الحسم. حزب وينتر (عمخا يسرائيل) الذي كان يأمل نتنياهو في أن يمنحه 4 مقاعد، لم يدخل الكنيست.

ثانياً، ارتفعت مقاعد الأحزاب العربية إلى 17 مقعداً (القائمة المشتركة 10، القائمة العربية الموحدة 7)، مما عزز بشكل كبير قاعدة معسكر التغيير.في جوهر الأمر، لم يتخلَّ الناخب الصهيوني عن نتنياهو — فالليكود لا يزال أكبر حزب. لكن الهندسة البرلمانية لم تعد تسمح له بالحكم. أعلن آيزنكوت صراحة أنه سيعمل على إزاحة نتنياهو، ورفض تشكيل حكومة وحدة تحت قيادة نتنياهو حتى مع نظام التناوب. بينيت وليبرمان يرفضان أيضاً الجلوس مع نتنياهو. الأحزاب العربية لا ترى في نتنياهو شريكاً. مع 50 مقعداً فقط، لا يملك نتنياهو أي مسار برلماني حقيقي.

تداعيات الإبادة في غزة: انكشاف زيف “الديمقراطية”

يزعم الكيان الصهيوني منذ تأسيسه أنه “الديمقراطية الوحيدة في غرب آسيا”، مستخدماً وجود الانتخابات والمؤسسات لتجميل صورته أمام العالم. لكن الإبادة في غزة قد كشفت هذا الزيف بشكل كامل. فقد أشار المحلل السياسي الأمريكي المحافظ تاكر كارلسون في مقابلة مع القناة 13 الصهيونية إلى أن “إسرائيل ليست ديمقراطية بأي معنى”، لأن ملايين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة لا يحق لهم التصويت. كما ذكر السفير المصري السابق لدى الكيان الصهيوني عاطف سالم أن “إسرائيل تزعم أنها دولة ديمقراطية لكنها في الواقع لا تملك ديمقراطية”، وأن قانون الطوارئ والقوانين العنصرية موجودة منذ تأسيسها.

الأهم من ذلك، أن الإبادة في غزة لم تفضح فقط التناقض بين “الديمقراطية” و”الاحتلال” على المستوى الخارجي، بل أشعلت أيضاً تصدعات داخلية حادة. تزامنت هذه الانتخابات مع استمرار الحرب، ومع محاكمة نتنياهو بتهم فساد، ومع انقسام المجتمع الصهيوني حول مسار الحرب ومصير الرهائن.

ما تُظهره نتائج الانتخابات هو أن الحرب لم تحقق لنتنياهو مكاسب سياسية كما كان يأمل، بل تحولت إلى عبء انتخابي. كان يُفترض أن تكون “الحرب على الإرهاب” ورقة رابحة لنتنياهو لتوحيد اليمين، لكنها في الواقع عمّقت الشقوق داخل اليمين — الأحزاب الصغيرة لم تتجاوز نسبة الحسم، والأحزاب العربية زادت حضورها، ومعسكر التغيير وسّع قاعدته.

خاتمة: الفائز في الانتخابات، الخاسر في الحكم

ما تقوله عينة “كان 11” هو أن نتنياهو لا يزال زعيم أكبر حزب، لكنه فقد الأغلبية. في نظام انتخابي مثل النظام الصهيوني، حيث لا يمكن لأحد أن يحكم منفرداً، فإن فقدان التحالفات يعني فقدان السلطة. مع 50 مقعداً، لا يستطيع نتنياهو تشكيل حكومة، وآيزنكوت برصيد 70 مقعداً لديه فرصة أكبر للحصول على تفويض لتشكيل الحكومة.

لكن الأهم من ذلك هو ما تعنيه هذه الانتخابات على مستوى أعمق: الكيان الصهيوني يحاول أن يقدم نفسه للعالم كـ”ديمقراطية”، بينما يشن في غزة إبادة جماعية أودت بحياة عشرات الآلاف من المدنيين.

هذا التناقض لم يفضحه العالم الخارجي فحسب، بل بدأ أيضاً في التآكل من الداخل — تراجع نتنياهو إلى 50 مقعداً هو أحد أعراض هذا التآكل. عندما تُستخدم “الديمقراطية” كستار لجرائم الحرب، فإن الانتخابات نفسها تفقد شرعيتها الأخلاقية. نتائج تصويت “كان 11” لا تحدد فقط من سيشكل الحكومة، بل تسجل أيضاً كيف أدت الإبادة في غزة إلى انقسامات داخلية لم يعد بالإمكان إخفاؤها.