في ظل تصعيد عسكري مستمر وتهديدات صهيونية علنية بتغيير النظام في إيران، استضاف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في طهران اجتماعاً أمنياً رباعياً غير مسبوق، ضمّ وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، ورئيس أركان الجيش الباكستاني عاصم منير، ورئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، إلى جانب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي. وتحمل هذه المشاركة دلالات بالغة الأهمية، إذ تجمع لأول مرة في العاصمة الإيرانية مسؤولين أمنيين رفيعي المستوى من دول ذات ثقل إقليمي ودولي، في خطوة تعكس حرص طهران على بناء إطار أمني إقليمي موحّد لمواجهة الضغوط الأميركية والصهيونية المتصاعدة.

رسائل بزشكيان: وحدة إسلامية في مواجهة “العدوان”

وخلال الاجتماع، شدّد بزشكيان على أن “حماية حقوق شعوبنا واحترام سيادة الدول ومواجهة العدوان وتعزيز التعاون الإقليمي تتطلب إرادة مشتركة وجهوداً منسقة”، معرباً عن أمله في أن “يسهم حضور ممثلي الدول المهمة والمؤثرة في هذا الاجتماع في تعزيز الوحدة والتماسك الإقليميين”. وأكد أن “هدفنا تعزيز العلاقات الأخوية مع الدول الإقليمية وضمان أمن شعوبنا وعزتها في المنطقة ووضع حدٍّ لجرائم الكيان الصهيوني”، معلناً استعداد إيران “لتوسيع تعاونها مع الدول الإقليمية انطلاقاً من القواسم المشتركة والمصالح المتبادلة واحترام حقوق الشعوب”.

ولم يقتصر خطاب الرئيس الإيراني على الدعوة إلى التعاون، بل تضمّن موقفاً تصعيدياً واضحاً، إذ قال إن “الكيان الصهيوني أدرك أن استسلام إيران مجرد وهم باطل”، مضيفاً أن “منطقتنا شهدت على مدى السنوات الماضية جرائم واسعة النطاق ارتكبها الكيان الصهيوني؛ ولو تكاتفت الدول الإسلامية ووقفت صفاً واحداً، لما كان بإمكان الكيان الصهيوني مواصلة هذه الجرائم”. كما أدان “الجرائم الصهيونية في غزة ولبنان ودول أخرى في المنطقة”، مؤكداً الحاجة إلى “نهج مشترك من جانب الدول في المنطقة لمواجهة العدوان أكثر من أي وقت مضى”.

سياق التصعيد: تهديدات صهيونية وضغوط أميركية

تأتي هذه التصريحات في ظل تصعيد عسكري خطير. ففي الثامن والعشرين من فبراير الماضي، شنّت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضربة عسكرية مشتركة على إيران، ردّت عليها طهران بهجمات صاروخية استهدفت الكيان الصهيوني وقواعد أميركية في الخليج، قبل أن يُعلن وقف لإطلاق النار في أبريل دون تسوية شاملة. وفي وقت سابق من الشهر الجاري، كشفت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية أن الكيان الصهيوني خطط لشنّ هجوم أوسع نطاقاً ضد إيران في العاشر من أكتوبر، يستهدف منشآت نووية وبنى تحتية مدنية، إلا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أوقف العملية خشية تداعياتها على الانتخابات النصفية. وفي السياق ذاته، أعلن رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو أنه أصدر تعليماته للجيش والموساد بـ”إسقاط النظام الإيراني”.

وفي هذا الإطار، فإن تصريح بزشكيان بأن “استسلام إيران وهم باطل” ليس عبارة عامة، بل ردّ مباشر على هدف الكيان الصهيوني المعلن بتغيير النظام. كما أن حديثه عن أن الضغوط والعدوان “كانت نتيجتها تعزيز الوحدة والتماسك الداخلي وترسيخ التلاحم بين أبناء الشعب الإيراني”، يشكّل محاولة لتحويل التهديدات الخارجية إلى عامل تعبئة داخلية، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الإيراني ضغوطاً هائلة بفعل العقوبات.

من الأقوال إلى الأفعال: حدود التعاون المحتمل

وحمل خطاب بزشكيان بُعداً عملياً إلى جانب البُعد السياسي، إذ دعا إلى تحويل التوافق السياسي إلى “خطوات فعلية”، مقترحاً تطوير خطوط النقل، وربط الجامعات والمراكز العلمية بين الدول، وتسهيل حركة رجال الأعمال، مؤكداً أن “الحدود يجب أن تكون فرصاً للتعاون لا حواجز”. وتعكس هذه المقترحات تصوراً أوسع: بناء آلية أمنية إقليمية ذاتية تنطلق من الترابط الاقتصادي والإنساني، بدلاً من الاعتماد على ترتيبات أمنية تقودها قوى خارجية.

غير أن تحوّل هذه الرباعية من مشاورات ظرفية إلى تعاون مؤسسي يواجه عقبات جوهرية. فالسعودية وتركيا وباكستان وقّعت في أغسطس الماضي “اتفاق مكة للدفاع المشترك”، الذي يعتبر أي هجوم مسلح على أحد الأعضاء هجوماً على الجميع. وهذا الإطار الدفاعي الجديد، وإن كان لا يضم إيران، إلا أنه يوفر أرضية محتملة لتوسيع التعاون الأمني. لكن فجوة الثقة بين الرياض وطهران لم تُردم بعد رغم استئناف العلاقات الدبلوماسية في 2023، ولا تزال الجبهات في سوريا والعراق واليمن حاضرة في الحسابات. كما أن باكستان وتركيا، وإن كانتا تتقاسمان القلق من التمدد الصهيوني، فإن أولوياتهما الأمنية والاقتصادية تختلف عن أولويات إيران، ما يجعل احتمال بلورة تحالف أمني متماسك أمراً غير مضمون.

دلالات وتداعيات

يحمل هذا الاجتماع دلالات متعددة. فمن جهة، يمثل محاولة إيرانية لاختراق العزلة الإقليمية التي تسعى واشنطن وتل أبيب إلى فرضها، عبر إظهار أن طهران قادرة على جمع خصوم الأمس وحلفاء اليوم حول طاولة واحدة. ومن جهة أخرى، يبعث رسالة إلى الداخل الإيراني مفادها أن الضغوط الخارجية لا تعزل الجمهورية الإسلامية، بل تدفعها إلى توسيع شبكة علاقاتها. وقد سبق لمسؤولين صهيونيين رفيعي المستوى أن حذّروا من أن الرهان على “إسقاط النظام الإيراني” عبر العمل العسكري أو الانتفاضة الداخلية هو “وهم سياسي”، وهو ما يمنح خطاب بزشكيان صدىً عملياً إلى جانب البُعد الخطابي.

أما على المستوى الإقليمي، فإن انعقاد هذه الرباعية قد يفتح نافذة أمام ترتيبات أمنية جديدة، لكنه في الوقت ذاته يضع الدول المشاركة أمام اختبار صعب: فالتقارب مع طهران في ظل استمرار التهديدات الصهيونية قد يجرّها إلى مواجهة لا تريدها، بينما التخلي عن هذا المسار يعني إبقاء المنطقة رهينة لاستقطاب لا ينتهي. وبين هذين الخيارين، يبدو أن طهران تراهن على أن اللحظة الراهنة، بضغوطها القصوى، هي الأنسب لاختبار جدية جيرانها في تبني منطق “الأمن الجماعي” الذي طالما دعت إليه.