عندما تصبح الهوية المتعددة هدفا للتكفير

رانيا لصوي

تتميز قرية حمود بتاريخ محلي مرتبط بالعشيرة، وبحضور مسيحي متجذر، وبأسماء ارتبطت بالأدب والفكر والسياسية والمقاومة الفلسطينية، مثل غالب هلسه ، تيريز هلسه، و مشعل الخيطان الهلسه والكثير من الشخصيات الوطنية والعلمية. ولفهم العلاقة بين التركيبة الاجتماعية لقرية حمود، والتوجّه الديمقراطي اليساري، واحترام العشائر، والموقف من القضية الفلسطينية، من المهم أن ننظر إلى تاريخ القرية ورجالاتها بوصفه تاريخًا اجتماعيًا وسياسيًا متداخلًا، لا أن نفترض وجود تعارض حتمي بين الانتماء العشائري والفكر اليساري أو بين التقاليد المحلية والنضال الوطني.

وهذا بالضرورة مايفسر سبب استهداف قرية بهذا الفكر والثقل، والتنوع قيمي، بالعمل الإرهابي يوم أمس، لأن السؤال الواجب طرحه ما علاقة الفكر التكفيري بمفهوم العشيرة والوطن والمقاومة.

من العشيرة إلى القرية، ومن القرية إلى فلسطين والأمة العربية

إن الرابط الأعمق الذي يمكن استخلاصه من تاريخ حمود هو أن الانتماءات ليست بالضرورة متعارضه، فالإنسان يستطيع أن يحترم عشيرته، ويتمسك بذاكرة قريته، ويدافع عن العدالة الاجتماعية، ويتضامن مع الشعب الفلسطيني في الوقت نفسه، وقضايا أمته العربية بالعموم.

كيف يستهدف الإرهاب مفاهيم العشيرة والمقاومة والديمقراطية، ويحاول تكفيرها؟

لفهم هذه المسألة يجب النظر إلى الإرهاب التكفيري ليس بوصفه عنفًا جسديًا فحسب، بل بوصفه مشروعًا فكريًا يسعى إلى احتكار تعريف الدين والشرعية والانتماء، ثم استخدام هذا الاحتكار لتقسيم المجتمع إلى من يحق لهم العيش ومن هم الأعداء والمرتدين.

قد تبدو العشيرة، في ظاهرها، بعيدة عن الصراع الفكري الذي تخوضه الجماعات التكفيرية، لكنها تمثل مصدرًا مهمًا للهوية والانتماء والمرجعية الاجتماعية المستقلة. عندما تعتبر جماعة متطرفة أن الولاء يجب أن يكون حصريًا لتنظيمها أو لتفسيرها الخاص للدين، فانها تحارب روابط القرابة والتضامن المحلي إذا لم تخضع لسلطتها.

كما أنها تعتبر المقاومة مفهوم سياسي وتاريخي وقانوني، وليست حكما دينيا أو صفة تمنح صاحبها الحصانة، وبالتالي يستهدف الخطاب التكفيري المقاومة من خلال احتكار تعريف العدو، وتفكير المخالفين له في وسائل المقاومة، بل أنها تحول القضية الى أداة للتجنيد والاستقطاب.

وبسياق متصل ولأن الديمقراطية تقوم على مبدأ أن الناس يستطيعون تنظيم شؤونهم العامة، واختيار ممثليهم، ومحاسبة سلطاتهم، والاختلاف في آرائهم دون أن يفقدوا حقوقهم. فإن الجماعات التكفيرية الارهابية تتبنى تفسيرًا إقصائيًا للدين، فقد تهاجم هذه المبادئ من خلال خطاب يعتبر المشاركة السياسية أو التشريع الوضعي أو التعددية الفكرية خروجًا عن الدين.

ما الذي يجمع استهداف العشيرة والمقاومة والديمقراطية؟

القاسم المشترك ليس أن كل جماعة إرهابية تستهدف هذه المكونات الثلاثة بالطريقة نفسها، بل أن التطرف التكفيري يسعى، في بعض أشكاله، إلى إلغاء المرجعيات المستقلة واحتكار الحق في تحديد الصواب والخطأ والانتماء والشرعية.

إذا ربطنا هذه الآلية بتاريخ قرية حمود، فإننا نصل إلى سؤال أعمق من هوية منفذ أي اعتداء: ما طبيعة المجتمع الذي يريد العنف تفكيكه، وما القيم التي يمكن أن تحميه؟

يمكن النظر إلى أربعة عناصر من تاريخ القرية: الهوية العشائرية، الحضور المسيحي، التاريخ اليساري والقومي لبعض رجالاتها، والتضامن مع فلسطين بوصلة الأمة العربية.

هذه العناصر قد تجسد تعددية اجتماعية يصعب اختزالها في هوية واحدة. ومن الممكن أن يستهدف العنف المتطرف مثل هذا النسيج، إذا كان هدفه إثارة الفتنة أو إخضاع المجتمع لسلطة إقصائية. والأهم أن تاريخ القرية لا ينبغي تحويله إلى أسطورة عن مجتمع متجانس فكريًا؛ فقد تتباين مواقف أبنائها من السياسة والدين والمقاومة، وهذا التباين نفسه جزء من حقهم في الاختلاف.

إن أخطر ما يفعله الإرهاب التكفيري ليس فقط قتل الإنسان، بل محاولة نزع الشرعية عن العالم الاجتماعي والفكري الذي ينتمي إليه: عشيرته، ومجتمعه، وقضيته الوطنية، وحقه في المشاركة السياسية.

تتم مواجهة التكفير والإرهاب عبر إستراتيجية فكرية، وقانونية، وتعليمية شاملة ترتكز على ضبط الفتاوى، ونشر الوعي الديني الصحيح، وسد الذرائع أمام الفكر المتطرف، وتفعيل القانون والمواجهة الاجتماعية البنيوية المتحضرة.

رحم الله شهداء قرية حمود …

المصدر: حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني