ترابط الجبهات وانعكاسات الصراع الإقليمي
​إن عملية إعادة تدوير ونقل العناصر المسلحة والمرتزقة –بمن فيهم قيادات وعناصر ذات خلفيات تكفيرية سابقة– من الساحة السورية إلى جبهات جنوب شبه الجزيرة العربية واليمن، لا تمثل مجرد مناورة تكتيكية عابرة، بل تشكل تحولاً خطيراً يلقي بظلاله المباشرة على أمن الملاحة البحرية في أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وعلى الوعي الأيديولوجي والجماهيري للشعوب الحرة في مواجهة هذه المؤامرات.
​ أثر تكتيك المرتزقة على أمن الملاحة البحرية في البحر الأحمر
​شهد البحر الأحمر ومضيق باب المندب خلال الفترة الأخيرة تحولات استراتيجية كبرى جعلت منه مسرحاً للاشتباك المباشر دفاعاً عن القضايا المصيرية للأمة، ولا سيما نصرة الشعب الفلسطيني في غزة. وفي هذا السياق، ينعكس إدخال عناصر أجنبية وخبراء مسيّرات ومرتزقة إلى السواحل اليمنية على الملاحة البحرية عبر مسارين رئيسيين:
.1 ​مضاعفة عسكرة البحر الأحمر وتبرير التصعيد الأجنبي: إن حشر مرتزقة وخبراء تقنيين قادمين من بؤر صراع أخرى في المناطق الساحلية اليمنية يعكس سعي قوى العدوان والدوائر الغربية والصهيونية إلى تحويل البحر الأحمر إلى منطقة استنزاف دائم، متخذةً من وجود هذه العناصر ذريعةً لشرعنة الوجود العسكري الأجنبي المكثف وتبرير حماية السفن المرتبطة بالكيان الغاصب تحت يافطة “حماية الملاحة الدولية”.
.2 ​محاولة فاشلة لكسر الطوق البحري اليمني: إن الزج بمشغلي الطائرات المسيّرة والمرتزقة إلى معسكرات في عسير وحضرموت والضالع وباب المندب يهدف إلى إيجاد رديف أرضي لقوى العدوان لمحاولة عرقلة العمليات البحرية اليمنية المانعة لمرور السفن الإسرائيلية أو المتجهة إلى موانئ الاحتلال. غير أن الميدان أثبت مراراً أن الاعتماد على مرتزقة بلا قضية أو عقيدة صالحة لا يمكن أن يصمد أمام إرادة استراتيجية تملك الردع الكافي لتأمين السواحل وحمايتها.
​ البعد الأيديولوجي والجماهيري لمواجهة المرتزقة
​على الصعيد المعنوي والأيديولوجي، تترك هذه التطورات آثاراً عميقة على مستوى الوعي الشعبي والتحشيد الجماهيري في مواجهة مشروع المرتزقة:
.1 ​سقوط الأقنعة وتعرية الخطابات الزائفة: يكشف هذا التكتيك عن الوجه الحقيقي لقوى العدوان والأنظمة الوظيفية، حيث تتهاوى كل الشعارات البراقة حول “السيادة” و”العروبة” و”محاربة الإرهاب”، لتلتقي غرف عمليات الرياض مع بقايا التكفيريين وتنظيمات مثل “أنصار التوحيد” و”هيئة تحرير الشام” في خندق واحد ضد الشعب اليمني. هذا التطابق المفضوح يسهل على الجماهير رؤية طبيعة الصراع بوضوح كامل: صراع بين مشروع تحرري مستقل، ومشروع استعماري يستعين بكل حثالات الأرض وشذاذ الآفاق.
.2 ​شحذ الهمم ورفع وتيرة الوعي الجهادي والشعبي: إن استقدام مقاتلين أجانب وتكفيريين يُنظر إليه جماهيرياً باعتباره “غزواً خارجياً صريحاً” بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وهو ما يعزز الروح الوطنية والأيديولوجية لدى أبناء الشعب اليمني وكل أحرار الأمة. هذا التحدي يساهم في توحيد الصفوف، ويمنح الحاضنة الشعبية دافعاً إضافياً ويقيناً مطلقاً بعدالة القضية وبضرورة تقديم التضحيات حتى دحر آخر جندي ومأجور أجنبي عن أرض اليمن وجنوب شبه الجزيرة العربية.
.3 ​تثبيت معادلة “الوطن مقبرة للغزاة”: أدى تكرار مشاهد استيراد المرتزقة (سواء في تجارب سوريا وليبيا أو اليوم في اليمن) إلى ترسيخ وعي جماهيري عام بأن تجار الحروب هؤلاء لا يملكون أي عقيدة قتالية سوى المال والسحت، مما يجعلهم هشّين معنوياً وأهدافاً مشروعة ومكشوفة أمام العزيمة الصلبة للمدافعين عن سيادة أراضيهم وبحارهم.
​خلاصة
​إن الرهان على ورقة المرتزقة والتكفيريين لتعويض الفشل العسكري في اليمن وتأمين الممرات البحرية لمصلحة قوى الهيمنة، هو رهان خاسر بنيوياً. فبينما يساهم هذا التكتيك في زيادة تعقيد أمن الملاحة البحرية عبر جلب مزيد من عوامل التوتر والتدخل الأجنبي، فانه يصب في المقابل وبشكل عكسي في صالح توحيد الجبهة الداخلية والجماهيرية، مانحاً إياها الشرعية المطلقة والمزيد من العزم لمواجهة هذه الأدوات وإسقاط مشاريعها على حدود رمال اليمن الأبية وبحاره الثائرة.
د. نبيلة عفيف غصن