لم تكن الهجمات الصاروخية والجوية الأخيرة التي نفذتها القوات المسلحة اليمنية (أنصار الله) ضد البنية التحتية العسكرية والاقتصادية في عمق السعودية مجرد حادثة عابرة أو رد فعل محلي، بل هي إعلان صريح عن مرحلة استراتيجية جديدة تُعيد رسم موازين القوى في المنطقة، وتُسقط الحصانة التي توهمت القوى الإقليمية الموالية للمشروع الغربي أنها تتمتع بها.
إن تراجع مؤشرات أسواق الأسهم في الرياض والدوحة ودبي، وارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، لا يعبران فقط عن ذعر مالي مؤقت، بل يجسدان انهياراً أفقياً لنموذج اقتصادي هَش بني على التبعية للخارج والتغاضي عن مظلومية الشعوب المقاومة.
أولاً: كسر الهيبة الهشة وسقوط وهم “الملاذ الآمن”
سعت الأنظمة الخليجية طوال عقود إلى تقديم منطقتها بوصفها “واحة استقرار” وملاذاً آمناً لرؤوس الأموال الغربية، بينما كانت في الوقت نفسه تشكل عمقاً لوجستياً ومالياً للاعتداءات والحروب المباشرة وغير المباشرة على شعوب اليمن وفلسطين والمنطقة.
أثبتت الضربات اليمنية الحالية التي طالت منشآت حيويّة كشركة “أرامكو” ومطار الملك خالد والقواعد الجوية، أن هذه الصورة البراقة لم تكن سوى غطاء هش؛ فلا يمكن لاقتصاد أن ينعم بالاستقرار والأمان بينما يساهم في حصار الشعوب أو التواطؤ مع المشاريع الاستعمارية. إن “الأمن كلٌّ لا يتجزأ”، ومن يسلب أمن الجيران لا يمكنه شراء أمنه بأموال النفط ولا بالمنظومات الدفاعية الغربية التي أثبتت عجزها الميداني.
ثانياً: الاقتصاد كساحة ردع وتدفيع الثمن
تعتمد الاستراتيجية الجديدة للقوات اليمنية وحلفائها الحرار على فهم دقيق لنقاط ضعف الخصم. فالأنظمة التي ركزت على استعراض مشاريع السياحة والخدمات المالية واللوجستية باتت تدرك اليوم أن هذه القطاعات هي الأكثر حساسية وتأثراً بالصدمات الأمنية.
ضرب العصب الاقتصادي: إن استهداف منشآت الطاقة والمطارات لا يهدف إلى إلحاق أضرار مادية فحسب، بل يبعث برسالة مفادها أن كل دولار يُستثمر في المنطقة سيبقى تحت تهديد دائم طالما استمرت السياسات العدوانية والحصار.
إرباك المنظومة الرأسمالية: إن حالة الهلع التي أصابت المستثمرين وأدت إلى تراجع مؤشرات البورصات وتصاعد أسعار الطاقة عالمياً هي نتاج طبيعي لمعادلة الردع؛ إذ أصبحت كلفة الاستمرار في النهج الحالي أعلى بكثير من قدرة هذه الاقتصادات على التحمل.
ثالثاً: تحول موازين القوى واستعادة المبادرة
تُظهر هذه التطورات أن أدوات الردع التقليدية لدى القوى الغربية وحلفائها لم تعد قادرة على فرض إرادتها. فالقدرات الميدانية المتصاعدة من صواريخ باليستية وطائرات مسيرة محلية الصنع استطاعت أن تتجاوز أعتى المنظومات الدفاعية وتصل إلى أهدافها بدقة.
هذا التحول يُثبت أن الإرادة الشعبية والتمسك بالحق قادمان على تغيير قواعد اللعبة، وأن الرهان على الرعاية الأمريكية أو التطبيع مع الكيان الصهيوني لن يوفر حماية جيو-اقتصادية لأي نظام يختار أن يكون جزءاً من جبهة العدوان.
إن ما تشهده أسواق المنطقة اليوم ليس مجرد “أزمة استثمارية”، بل هو تجلٍّ لمعادلة توازن الرعب والردع الشامل. لقد انتهى العصر الذي تشن فيه الحروب وتُفرض فيه الحصارات دون أن تدفع القوى المعتدية الثمن في اقتصادها وأمنها واستقرارها. وعلى المستثمرين والأنظمة على حدٍّ سواء أن يدركوا أن الاستقرار الحقيقي لن يتحقق إلا بإنهاء العدوان والحصار، واحترام إرادة الشعوب وحقها في السيادة والكرامة.
د. نبيلة عفيف غصن
