مصر بين السيادة الوطنية وضغوط التحالفات
هل يدخل السيسي حرباً ضد اليمن استجابةً للرياض، بينما تواجه القاهرة أزمات النيل والسودان وسيناء والاقتصاد؟ وما الثمن الاستراتيجي لتعدد الجبهات؟
استطلاع سياسي واستراتيجي
بقلم: الإعلامية والباحثة في الشؤون السياسية / الدكتورة بدور ثابت قائد الديلمي
مقدمة الاستطلاع: حين تصبح السيادة الوطنية موضع اختبار
هل يملك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قرار الحرب والسلم بوصفه رئيساً لجمهورية مصر العربية، الدولة ذات السيادة والاستقلال، أم يمكن أن تدفع ضغوط التحالفات الإقليمية القاهرة إلى خيارات لا تتفق بالضرورة مع أولويات الأمن القومي المصري؟
هذا هو السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه عند مناقشة احتمال دخول مصر في مواجهة عسكرية ضد اليمن إلى جانب المملكة العربية السعودية. فالقضية لا تتعلق بمجرد مشاركة عسكرية أو تضامن سياسي مع دولة حليفة، بل تتصل باستقلال القرار المصري، وحدود الالتزامات الإقليمية، ومدى استعداد القاهرة لتحمل تبعات حرب جديدة في منطقة تعاني أصلاً من اضطرابات وصراعات مفتوحة.
إن مصر ليست دولة هامشية حتى تُقاس مكانتها بمدى استجابتها لرغبات حلفائها، وليست دولة تفتقر إلى التاريخ العسكري والثقل السياسي حتى تحتاج إلى إثبات قوتها بالدخول في كل مواجهة إقليمية. فهي دولة ذات موقع استراتيجي بالغ الحساسية، تتحكم في أحد أهم الممرات البحرية العالمية عبر قناة السويس، وتواجه تحديات مرتبطة بأمن مياه النيل، واستقرار حدودها الغربية والجنوبية، وأمن سيناء، والتطورات في غزة، فضلاً عن أعبائها الاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا، فإن أي قرار مصري بالمشاركة في حرب ضد اليمن لا ينبغي أن يُناقش من زاوية العلاقة مع الرياض وحدها، بل من زاوية أوسع: هل تحقق هذه الحرب مصلحة مصرية مباشرة؟
وهل تستحق المخاطر التي قد تترتب عليها؟ وهل يستطيع الجيش المصري خوض مواجهة جديدة من دون التأثير في قدرته على التعامل مع التحديات الأخرى المحيطة بالدولة؟
أما إذا اتُّخذ القرار تحت ضغط حليف إقليمي، أو استجابةً لتوجيهات خارجية من دون تقدير مستقل للمصالح المصرية، فإن المسألة ستتجاوز حدود التحالف السياسي إلى سؤال خطير يتعلق باستقلال القرار الوطني. فليس من المقبول أن تتحول العلاقات بين الدول إلى علاقة توجيه وتبعية، ولا أن تصبح حماية مصالح دولة أخرى مبرراً لتعريض أمن دولة ذات سيادة لمخاطر لا تتناسب مع مصالحها.
ومع ذلك، فإن اتهام القيادة المصرية بالتخلي عن السيادة لا يجوز تقديمه باعتباره حقيقة ثابتة من دون أدلة موثقة على طبيعة القرار وآلية اتخاذه. لكن من حق الرأي العام أن يسأل، ومن واجب التحليل السياسي أن يختبر الاحتمالات: إذا طلبت الرياض مشاركة مصرية في الحرب ضد اليمن، فهل سيكون القرار مصرياً مستقلاً تحكمه حسابات القاهرة، أم قراراً يتأثر بضغوط الحليف الأقوى؟
يتضاعف هذا السؤال في ظل التحديات التي تواجه مصر في محيطها الإقليمي، من ملف سد النهضة الإثيوبي إلى الحرب في السودان، ومن أمن سيناء والحدود مع إسرائيل وغزة إلى الاضطرابات في ليبيا، فضلاً عن حساسية البحر الأحمر وباب المندب وتأثيرهما المباشر في قناة السويس والاقتصاد المصري.
وعليه، لا يبحث هذا الاستطلاع في مجرد احتمال دخول مصر حرباً ضد اليمن، بل يطرح سؤالاً استراتيجياً أشمل: هل تستطيع القاهرة تحمل تبعات فتح جبهة عسكرية جديدة، بينما تواجه ملفات أمنية واقتصادية متشابكة؟ وما الذي ستكسبه، وما الذي قد تخسره، إذا تحولت مساندة السعودية إلى مشاركة عسكرية مباشرة في الحرب؟
أولاً:
من التضامن مع السعودية إلى المشاركة في الحرب ضد اليمن
تربط مصر والسعودية علاقات سياسية واقتصادية وأمنية مهمة، وقد شهدت علاقاتهما تعاوناً في ملفات عربية وإقليمية متعددة. لكن وجود تحالف أو شراكة بين دولتين لا يعني بالضرورة تطابق مصالحهما في جميع القضايا، ولا يفرض على إحداهما المشاركة العسكرية في كل مواجهة تخوضها الأخرى.
فالمصلحة السعودية في أي مواجهة مع اليمن قد ترتبط بحسابات الحدود والأمن الإقليمي والتهديدات التي تقول الرياض إنها تواجهها. أما مصر، فتختلف أولوياتها بحكم موقعها الجغرافي ومشكلاتها الاستراتيجية، وفي مقدمتها النيل والسودان وليبيا وغزة وسيناء والاقتصاد وقناة السويس.
ولهذا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات من المشاركة:
التضامن السياسي والدبلوماسي: من خلال الاتصالات والمواقف الرسمية ومحاولات الوساطة.
التعاون الأمني والبحري: بما قد يشمل تبادل المعلومات والتنسيق لحماية الملاحة وفق القانون الدولي والاتفاقات المعلنة.
المشاركة العسكرية المباشرة: وهي المستوى الأعلى خطورة، لأنها قد تجعل مصر طرفاً في حرب ممتدة، وتعرّض قواتها ومصالحها الاقتصادية والأمنية لردود فعل وتداعيات يصعب احتواؤها.
ولا يعني رفض الحرب بالضرورة التخلي عن السعودية، كما أن مساندة السعودية لا تعني أن على مصر الدخول في مواجهة مفتوحة مع اليمن.
المعيار الحقيقي هو: هل تخدم المشاركة العسكرية الأمن القومي المصري بصورة مباشرة ومتناسبة مع تكلفتها، أم أنها قد تنقل إلى مصر أعباء صراع لا تملك وحدها تحديد نهايته؟
ثانياً:
استقلال القرار المصري ومخاطر التبعية السياسية
إن أخطر ما يمكن أن يواجه دولة بحجم مصر ليس فقط احتمال الخسارة العسكرية، بل أن يتراجع استقلال قرارها الاستراتيجي تحت تأثير الضغوط السياسية أو الاقتصادية أو التحالفات الإقليمية.
فالدولة ذات السيادة هي التي تحدد متى تدخل الحرب، ولماذا تدخلها، وما أهدافها، وكيف تنهيها، بناءً على تقدير مؤسساتها ومصالح شعبها، لا بناءً على رغبة أي حليف مهما بلغت قوة العلاقة معه.
ومن هنا، يبرز السؤال المتعلق بالرئيس عبد الفتاح السيسي: إذا طُلب من القاهرة الانضمام إلى حرب ضد اليمن، فما الأسس التي ستُبنى عليها الاستجابة؟ وهل سيجري تقييم المخاطر والتكاليف وفق المصالح المصرية وحدها، أم ستؤثر حسابات العلاقة مع الرياض في القرار إلى حد تقديم أولويات الحليف على أولويات مصر؟
إن القول إن السيسي «ألغى سيادة مصر» أو تنازل عن استقلالها لمجرد وجود علاقة وثيقة مع السعودية يُعد حكماً سياسياً خطيراً يحتاج إلى أدلة واضحة. لكن يمكن طرح القضية بصورة أكثر دقة وقوة: إن أي قرار عسكري يُتخذ استجابةً لإملاءات خارجية، من دون تقدير مستقل للمصلحة الوطنية، يمثل مساساً بجوهر السيادة، بصرف النظر عن الدولة التي تصدر عنها تلك الضغوط.
والفرق كبير بين تحالف يحترم استقلال الشركاء، وعلاقة يتحول فيها التضامن إلى التزام أحادي الجانب. فالتحالف المتوازن يتيح لكل دولة أن تقول «نعم» عندما تتوافق المشاركة مع مصالحها، وأن تقول «لا» عندما تتعارض مع أمنها الوطني، من دون أن يُفسَّر ذلك تلقائياً بأنه عداء أو تخلي عن الحليف.
وبالتالي، فإن المطلوب من القيادة المصرية ليس إثبات الوفاء للسعودية عبر خوض حرب جديدة، بل إثبات قدرتها على حماية مصالح المصريين، والحفاظ على استقلال القرار، وتجنب الانخراط في صراعات لا تملك القاهرة وحدها تحديد أهدافها أو موعد انتهائها.
فهل ستكون أي مشاركة مصرية في الحرب ضد اليمن قراراً سيادياً مستقلاً، أم اختباراً لقدرة القاهرة على مقاومة الضغوط الإقليمية؟
ثالثاً: إثيوبيا وسد النهضة.. هل تتحمل مصر أزمة مياه وحرباً جديدة في الوقت نفسه؟
يُعد ملف سد النهضة الإثيوبي أحد أهم الملفات الاستراتيجية بالنسبة إلى مصر، لارتباطه بأمن مياه النيل، الذي يمثل مورداً أساسياً للحياة والزراعة والتنمية في البلاد.
وقد امتد الخلاف بين مصر وإثيوبيا لسنوات حول ملء السد وتشغيله وقواعد إدارة المياه خلال فترات الجفاف، في ظل تمسك القاهرة بضرورة التوصل إلى ترتيبات واضحة وملزمة تضمن عدم الإضرار بمصالحها المائية.
وفي هذا السياق، فإن دخول مصر حرباً ضد اليمن لن يحل مشكلة سد النهضة، ولن يغير وحده موازين التفاوض مع إثيوبيا. بل قد يؤدي إلى استهلاك موارد عسكرية ومالية ودبلوماسية كان من الممكن توجيهها إلى إدارة الملفات الأكثر اتصالاً بالأمن المصري المباشر.
ما المخاطر المحتملة؟
أولاً:
تشتيت الاهتمام الاستراتيجي.
قد يؤدي الانشغال بجبهة عسكرية جديدة إلى زيادة الضغط على صانعي القرار، خصوصاً إذا تزامنت المواجهة مع تطورات حساسة في ملف المياه.
ثانياً:
زيادة الأعباء المالية.
تتطلب العمليات العسكرية تمويلاً للتجهيزات والوقود والصيانة والنقل والإمداد، وقد تؤدي زيادة الإنفاق العسكري الطارئ إلى تضييق مساحة الإنفاق المتاحة لقطاعات أخرى.
ثالثاً:
تعقيد الحسابات الإقليمية.
كلما تعددت الأزمات التي تواجهها القاهرة، ازدادت الحاجة إلى توزيع الجهد الدبلوماسي والعسكري بينها، ما قد يقلل مرونة الاستجابة إذا وقعت تطورات متزامنة.
لكن من المهم عدم القفز إلى استنتاج أن إثيوبيا ستستغل الحرب المصرية ضد اليمن بالضرورة، أو أن دخول مصر الحرب سيؤدي تلقائياً إلى أزمة مائية جديدة. فهذا احتمال استراتيجي ينبغي مراقبته، وليس نتيجة مؤكدة.
السؤال هنا: لماذا تفتح القاهرة جبهة عسكرية إضافية، بينما لا تزال بحاجة إلى إدارة ملف مائي بالغ الأهمية لأمنها القومي؟
رابعاً:
السودان.. جبهة جنوبية لا يمكن تجاهلها
يمثل السودان عمقاً جغرافياً وأمنياً مهماً لمصر. فاستقرار السودان يرتبط بأمن الحدود الجنوبية، وحركة السكان، والتجارة، والأوضاع الإنسانية، والتوازنات في حوض النيل.
وقد أدت الحرب السودانية منذ أبريل 2023 إلى أزمة إنسانية واسعة، وأثرت في مؤسسات الدولة والبنية التحتية وحركة المدنيين، وفرضت تحديات إضافية على الدول المجاورة، وفي مقدمتها مصر.
كيف يمكن أن تؤثر حرب اليمن في حسابات القاهرة تجاه السودان؟
إذا انخرطت مصر عسكرياً في مواجهة ضد اليمن، فقد تواجه ضغطاً إضافياً في توزيع الموارد والانتباه السياسي والأمني، في وقت تحتاج فيه إلى متابعة التطورات في السودان، وتأمين حدودها، والتعامل مع التداعيات الإنسانية والأمنية للحرب.
وتتضمن المخاطر المحتملة:
زيادة الضغط على الموارد العسكرية واللوجستية.
تعقيد إدارة الحدود إذا تزامنت تطورات أمنية متعددة.
ارتفاع التكاليف الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بعدم الاستقرار الإقليمي.
تراجع القدرة على التركيز الدبلوماسي على تسوية الأزمة السودانية إذا استهلكت الحرب الجديدة جانباً كبيراً من الاهتمام السياسي.
ومع ذلك، لا يعني ذلك أن مصر ستفقد السيطرة على حدودها أو أن السودان سيتحول تلقائياً إلى جبهة معادية. فهذه نتائج لا يمكن الجزم بها من دون مؤشرات وأدلة محددة.
لكن الثابت استراتيجياً أن الدولة التي تواجه أزمة خطيرة في جوارها الجنوبي تحتاج إلى حساب تكلفة أي انخراط عسكري جديد قبل اتخاذ القرار، لا بعد اتساع تداعياته.
خامساً:
سيناء وغزة وإسرائيل.. هل تستطيع مصر تحمل مزيد من الضغوط؟
تحتل سيناء موقعاً بالغ الأهمية في الأمن القومي المصري، بحكم اتصالها الجغرافي بإسرائيل وقطاع غزة، وارتباطها بأمن الحدود الشرقية، فضلاً عن أهميتها العسكرية والاستراتيجية.
كما أن التطورات في غزة، والملف الفلسطيني، والحدود المصرية الإسرائيلية، تفرض على القاهرة حسابات دقيقة تتعلق بالأمن القومي، والالتزامات الدولية، وحماية الحدود، وتداعيات أي تصعيد إقليمي.
هل يمكن أن يؤدي دخول مصر الحرب ضد اليمن إلى فتح جبهة في سيناء؟
ينبغي التعامل مع هذا السؤال بحذر. فلا توجد قاعدة تسمح بالقول إن دخول مصر حرباً ضد اليمن سيؤدي تلقائياً إلى فتح سيناء أمام إسرائيل أو إلى اندلاع مواجهة مصرية إسرائيلية.
لكن يمكن القول إن اتساع الصراع الإقليمي قد يزيد من تعقيد الحسابات الأمنية والسياسية، خصوصاً إذا تزامن مع تصعيد في غزة أو توترات على الحدود أو خلافات حول ترتيبات الأمن الإقليمي.
ومن هنا، فإن المطلوب هو التمييز بين ثلاثة أمور:
الوقائع القائمة: حساسية الحدود المصرية الإسرائيلية، وأهمية سيناء، واستمرار تداعيات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
المخاطر المحتملة: احتمال تزامن تصعيد في البحر الأحمر مع تطورات أمنية أخرى في المنطقة.
السيناريوهات غير المثبتة: الادعاء بأن أطرافاً بعينها ستستغل انشغال مصر بحرب اليمن لفتح جبهة في سيناء؛ فهذا يحتاج إلى أدلة محددة، ولا يصح تقديمه باعتباره حقيقة مؤكدة.
ومع ذلك، فإن أي قيادة مصرية مسؤولة مطالبة بوضع أسوأ السيناريوهات المعقولة ضمن حساباتها، لا سيما أن أمن سيناء والحدود الشرقية لا يمكن فصله عن أمن الدولة المصرية ككل.
فإذا كانت القاهرة بحاجة إلى الحفاظ على استقرار جبهتها الشرقية، فهل من الحكمة إضافة التزام عسكري جديد قد يرفع مستوى المخاطر الإقليمية، من دون ضرورة مصرية مباشرة وواضحة؟
سادساً:
ليبيا والحدود الغربية.. أعباء إضافية على الدولة المصرية
لا يقتصر الأمن القومي المصري على الشرق والجنوب، بل يمتد إلى الحدود الغربية مع ليبيا، حيث تركت سنوات الصراع والانقسام السياسي تحديات أمنية وسياسية واقتصادية متواصلة.
وتحتاج القاهرة إلى متابعة التطورات الليبية، وحماية حدودها، ومكافحة التهديدات العابرة للحدود، إلى جانب العمل السياسي والدبلوماسي المرتبط باستقرار ليبيا.
وفي حال دخول مصر حرباً جديدة، فإن ذلك قد يضيف أعباء على المؤسسات العسكرية والأمنية، خصوصاً إذا تطلبت المشاركة انتشاراً خارج الحدود أو عمليات بحرية وجوية مستمرة.
ولا يعني هذا أن أي مشاركة مصرية في اليمن ستؤدي حتماً إلى تدهور الوضع على الحدود الغربية، لكن تعدد الملفات يفرض على القيادة المصرية تقدير حجم الموارد المطلوبة لكل جبهة، ومدى قدرتها على الاستمرار في إدارتها بالتوازي.
فالدولة لا تُقاس قوتها فقط بقدرتها على بدء العمليات العسكرية، بل أيضاً بقدرتها على حماية حدودها ومصالحها الداخلية طوال فترة النزاع.
سابعاً:
البحر الأحمر وباب المندب.. من يملك مصلحة مباشرة في أمن الملاحة؟
يحتل البحر الأحمر ومضيق باب المندب أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة إلى مصر، لأنهما يرتبطان بحركة التجارة العالمية وبالمسار البحري المؤدي إلى قناة السويس.
وتؤثر اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر في قرارات شركات الشحن والتأمين، وقد تؤدي إلى تحويل بعض السفن إلى مسارات أطول وأكثر كلفة، بما ينعكس على الإيرادات المرتبطة بالقناة وعلى النشاط الاقتصادي المصري.
ومن هنا، فإن القاهرة لديها مصلحة مباشرة في حماية الملاحة البحرية وتقليل مخاطر التصعيد.
لكن حماية الملاحة لا تعني بالضرورة الانخراط في حرب مفتوحة ضد اليمن. فهناك فرق بين الإجراءات البحرية المحددة لحماية السفن، والتنسيق الدبلوماسي والأمني، وبين المشاركة في عمليات عسكرية قد توسع نطاق النزاع.
ما الخيارات المصرية؟
دعم المسارات الدبلوماسية التي تقلل التصعيد.
العمل مع الأطراف المعنية لحماية الملاحة وفق القانون الدولي.
المشاركة في ترتيبات أمنية محددة وواضحة الأهداف، إذا توافرت الشروط القانونية والسياسية اللازمة.
تجنب تحويل البحر الأحمر إلى ساحة مواجهة مفتوحة تتسع أطرافها وأهدافها بمرور الوقت.
ومن المهم أن تدرك القاهرة أن أمن قناة السويس لا يتحقق فقط بالقوة العسكرية، بل يتطلب أيضاً بيئة إقليمية مستقرة، واتصالات سياسية فعالة، وتقليل دوافع التصعيد.
فهل تحقق الحرب المفتوحة أمن الملاحة بصورة أفضل من التسوية السياسية، أم أنها قد توسع نطاق التهديدات التي تسعى مصر إلى احتوائها؟
ثامناً:
قناة السويس والاقتصاد المصري.. من سيدفع ثمن الحرب؟
لا يمكن تقييم أي قرار عسكري مصري بمعزل عن الاقتصاد. فالمشاركة في حرب خارج الحدود تفرض تكاليف مباشرة وغير مباشرة، تشمل الإنفاق على القوات والمعدات والوقود والصيانة والإمداد، فضلاً عن المخاطر المرتبطة بالتجارة والاستثمار والتأمين والشحن.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في مصر، نظراً إلى ارتباط قناة السويس بالتجارة العالمية، وإلى حساسية الاقتصاد تجاه اضطرابات المنطقة وأسعار الطاقة وحركة الملاحة.
أبرز التداعيات الاقتصادية المحتملة
- زيادة الإنفاق العسكري الطارئ
قد تستلزم العمليات العسكرية نفقات إضافية على الانتشار والتجهيز والإمداد والصيانة، وقد تطول فترة الإنفاق إذا امتدت المواجهة. - ارتفاع مخاطر الملاحة والتأمين
إذا اتسعت المواجهة في البحر الأحمر، فقد ترتفع المخاطر التي تقيّمها شركات الشحن والتأمين، وقد تتجه بعض السفن إلى طرق بديلة، بما يؤثر في حركة العبور عبر قناة السويس. - تراجع الثقة الاستثمارية
يمكن أن تؤثر الحروب الإقليمية في قرارات المستثمرين، خصوصاً عندما تكون نتائج المواجهة ومدتها غير واضحتين. - ضغط إضافي على الموازنة
قد يؤدي ارتفاع الإنفاق العسكري بالتزامن مع اضطرابات التجارة والطاقة إلى تضييق الخيارات المالية أمام الحكومة. - زيادة الكلفة على المواطنين
قد تنعكس الضغوط الاقتصادية الإقليمية على الأسعار وفرص العمل وتكاليف النقل والإمداد، بحسب حجم التصعيد ومدته وطبيعة تأثيره في الأسواق.
لكن من الضروري عدم الجزم بأن الحرب ستؤدي حتماً إلى انهيار الاقتصاد المصري أو توقف قناة السويس؛ فهذه نتائج تتوقف على مسار النزاع، ومدى اتساعه، وطبيعة التهديدات التي قد تتعرض لها الملاحة.
والسؤال الأساسي هنا هو: هل توجد مصلحة مصرية مباشرة تبرر تحمل هذه التكاليف، أم أن القاهرة قد تجد نفسها تدفع فاتورة حرب لا تتحكم وحدها في مسارها أو نهايتها؟
تاسعاً:
موريتانيا والامتداد الإقليمي.. ضرورة التمييز بين الجبهات المباشرة والملفات البعيدة
عند الحديث عن تعدد التحديات التي تواجه مصر، يجب التمييز بين الدول التي ترتبط بها مباشرة بحدود أو مصالح أمنية حيوية، وبين الدول التي تقع في نطاق أوسع من التوازنات العربية والأفريقية.
فموريتانيا تقع في غرب أفريقيا، ولا تشترك في حدود مباشرة مع مصر، ولذلك لا يصح التعامل معها باعتبارها جبهة عسكرية مباشرة في حسابات القاهرة. وقد تتقاطع مواقفها مع ملفات عربية أو أفريقية، لكن تحديد تأثيرها في أمن مصر يتطلب النظر إلى القضية المعنية، والمواقف الرسمية، والأدلة المتاحة.
أما الملفات الأكثر اتصالاً مباشرة بحسابات الأمن القومي المصري في هذا السياق، فتشمل إثيوبيا والسودان وليبيا وسيناء وغزة والبحر الأحمر.
وهذا التمييز مهم حتى لا يتحول الحديث عن تعدد الأزمات إلى جمع ملفات متباعدة جغرافياً وسياسياً من دون بيان طبيعة العلاقة بينها.
إن التحليل الاستراتيجي الدقيق لا يقاس بعدد الدول التي تُذكر فيه، بل بقدرته على تحديد أي الملفات تمثل تهديداً مباشراً، وأيها يمثل ضغطاً غير مباشر، وأيها لا يزال مجرد احتمال يحتاج إلى مزيد من الأدلة.
عاشراً:
هل يستطيع الجيش المصري إدارة أكثر من جبهة؟
يمتلك الجيش المصري قدرات عسكرية كبيرة، لكن حجم القوات أو امتلاك الأسلحة لا يكفي وحده للحكم على قدرة الدولة على خوض حرب خارج الحدود مع الاستمرار في إدارة ملفاتها الداخلية والإقليمية.
فالقدرة على خوض حرب طويلة تتوقف على عناصر متعددة، منها:
وضوح الهدف السياسي والعسكري.
القدرة على الإمداد والصيانة والتعويض.
توافر الموارد المالية اللازمة لاستمرار العمليات.
حماية الحدود والمصالح الحيوية في الوقت نفسه.
القدرة على التعامل مع ردود الفعل الإقليمية.
وجود خطة واضحة لإنهاء العمليات وتحويل المكاسب العسكرية إلى نتيجة سياسية قابلة للاستمرار.
وكلما اتسع نطاق العمليات وتعددت ساحاتها، ازدادت الحاجة إلى تنسيق الموارد وتحديد الأولويات.
ومن هنا، لا ينبغي أن يكون السؤال: هل يستطيع الجيش المصري تنفيذ عملية عسكرية ضد اليمن؟ بل ينبغي أن يكون: ما الهدف الذي ستحققه هذه العملية، وما مدتها المحتملة، وما تكلفة استمرارها، وما المخاطر التي قد تنشأ إذا تزامنت مع تطورات في السودان أو النيل أو سيناء أو ليبيا؟
فالنجاح في عملية عسكرية محدودة لا يضمن النجاح في حرب ممتدة، والقدرة على بدء المواجهة لا تعني أن الدولة تستطيع التحكم في جميع نتائجها.
الحادي عشر:
ماذا يمكن أن تكسب مصر، وماذا يمكن أن تخسر؟
قبل اتخاذ قرار بالمشاركة في أي مواجهة عسكرية، ينبغي أن تجيب القيادة المصرية عن أسئلة واضحة تتعلق بالمكاسب والخسائر.
المكاسب المحتملة
قد ترى القاهرة أن المشاركة المحدودة في حماية الملاحة أو في ترتيبات أمنية إقليمية تحقق بعض الأهداف، مثل تعزيز التنسيق مع حلفائها، أو تقليل تهديدات محددة للممرات البحرية، أو الحفاظ على دورها في الترتيبات الأمنية الإقليمية.
لكن هذه المكاسب تظل مرتبطة بطبيعة المشاركة وأهدافها ومدتها، ولا يمكن افتراض أنها ستتحقق تلقائياً بمجرد دخول الحرب.
الخسائر والمخاطر المحتملة
في المقابل، قد تواجه مصر:
استنزافاً مالياً وعسكرياً إذا طال أمد العمليات.
زيادة المخاطر على مصالحها البحرية والتجارية.
تراجعاً في مساحة المناورة الدبلوماسية.
تعقيداً في إدارة ملفات النيل والسودان وليبيا وسيناء.
احتمال اتساع نطاق المواجهة إلى أطراف أخرى.
ضغوطاً داخلية إذا شعر المواطنون بأن تكاليف الحرب لا تتناسب مع المصالح المصرية المباشرة.
ولا يعني ذلك أن كل هذه النتائج ستقع بالضرورة، بل إنها مخاطر يجب تقديرها قبل اتخاذ القرار، لا بعد أن تصبح الدولة طرفاً في نزاع يصعب الخروج منه.
والقاعدة الأساسية أن أي تحالف ناجح ينبغي أن يحقق توازناً بين الالتزامات المشتركة والمصالح الوطنية لكل دولة.
الثاني عشر:
السيناريوهات المحتملة لموقف مصر
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية إذا تعرضت القاهرة لضغوط للمشاركة في مواجهة عسكرية ضد اليمن.
السيناريو الأول:
الاكتفاء بالدعم السياسي والدبلوماسي
في هذا السيناريو، تحافظ مصر على علاقاتها مع السعودية، وتدعم الجهود الرامية إلى حماية الملاحة وخفض التصعيد، من دون الدخول في عمليات قتالية مباشرة ضد اليمن.
ويمثل هذا الخيار فرصة لتقليل المخاطر العسكرية المباشرة، مع الاحتفاظ بمساحة للتحرك الدبلوماسي.
السيناريو الثاني: مشاركة أمنية أو بحرية محدودة
قد تختار القاهرة المشاركة في ترتيبات محددة لحماية الملاحة أو تنفيذ مهام أمنية معلنة، وفق القانون الدولي والالتزامات ذات الصلة.
ويعتمد تقييم هذا الخيار على طبيعة المهام، ومدى وضوح أهدافها، والضمانات المتاحة لمنع توسعها إلى مواجهة مفتوحة.
السيناريو الثالث: الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة وممتدة
هذا هو السيناريو الأعلى خطورة؛ إذ قد يجعل مصر طرفاً مباشراً في الحرب، ويزيد احتمال تعرض مصالحها العسكرية والاقتصادية والسياسية لتداعيات لا يمكن تحديدها مسبقاً بدقة.
وقد تتزايد المخاطر إذا تزامنت المواجهة مع تصعيد في البحر الأحمر، أو اضطرابات في السودان، أو توترات في سيناء وغزة، أو تطورات جديدة في ملف سد النهضة.
ولا يعني تعدد هذه الاحتمالات أن وقوعها جميعاً أمر حتمي، لكنه يفرض على القاهرة إجراء تقييم شامل قبل اتخاذ قرار قد تتجاوز تبعاته حدود ساحة القتال.
الثالث عشر: ما الأسئلة التي ينبغي أن تجيب عنها القيادة المصرية قبل الحرب؟
إذا طُرح خيار المشاركة العسكرية ضد اليمن بصورة جدية، فإن القرار ينبغي أن يخضع لتقييم واضح للمصلحة الوطنية،
وأن تُطرح بشأنه الأسئلة التالية:
ما التهديد المباشر الذي يواجه الأمن القومي المصري ويستوجب المشاركة في الحرب؟
هل توجد بدائل دبلوماسية أو أمنية تحقق الهدف بتكلفة أقل؟
ما الأهداف العسكرية المحددة، وما المدة المتوقعة للعمليات؟
ما التكلفة المالية، وكيف ستؤثر في الأولويات الاقتصادية؟
كيف ستضمن القاهرة استمرار قدرتها على حماية الحدود والمصالح الحيوية؟
ما أثر المشاركة المحتملة في الملاحة وقناة السويس؟
كيف ستتعامل مصر مع احتمال تزامن التصعيد مع تطورات في السودان أو ملف سد النهضة أو سيناء؟
هل سيكون القرار نابعاً من تقدير مصري مستقل، أم متأثراً بضغوط الحلفاء؟
ما الضمانات التي تمنع تحول المشاركة المحدودة إلى حرب مفتوحة؟
ما الخطة السياسية لإنهاء المشاركة، وما المعايير التي ستحدد نجاحها أو فشلها؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة تتعلق بمسؤولية الدولة عن حماية مواطنيها وصيانة مصالحها.
الخاتمة:
السيادة ليست شعاراً.. والحرب ليست اختباراً للوفاء
إن احتمال دخول مصر حرباً ضد اليمن إلى جانب السعودية يفتح نقاشاً يتجاوز حدود العلاقات الثنائية، ليصل إلى طبيعة القرار السيادي، وأولويات الأمن القومي، وحدود الالتزامات الإقليمية، وقدرة الدولة المصرية على إدارة تحديات متعددة في وقت واحد.
فمصر تواجه ملفات استراتيجية لا يمكن التعامل معها باعتبارها قضايا منفصلة: أمن مياه النيل، واستقرار السودان، وأمن الحدود الغربية، وحساسية سيناء، وتطورات غزة، وأمن البحر الأحمر، وحركة الملاحة عبر قناة السويس، والضغوط الاقتصادية الداخلية.
وفي ظل هذه الملفات، يصبح من الضروري أن تزن القاهرة أي قرار بالمشاركة في حرب جديدة بميزان المصلحة الوطنية، لا بميزان الضغوط السياسية وحدها.
إن العلاقة مع السعودية يمكن أن تقوم على التعاون والتنسيق والاحترام المتبادل، لكن ذلك لا يلغي حق مصر في اتخاذ قرارها المستقل، ولا يجعل المشاركة العسكرية واجباً تلقائياً في كل مواجهة تخوضها الرياض.
ومن هنا، فإن جوهر القضية ليس اتهام الرئيس المصري مسبقاً بالتنازل عن السيادة، بل مساءلة القرار المحتمل ومعاييره: هل سيحمي المصالح المصرية، أم قد يضعها أمام أعباء إضافية لا تتناسب مع المكاسب المتوقعة؟
فالدولة ذات السيادة لا تُقاس قوتها بمدى استجابتها لرغبات الحلفاء، وإنما بقدرتها على تحديد مصالحها والدفاع عنها، حتى عندما يختلف تقديرها مع تقدير أقرب الشركاء.
وإذا كانت الحرب ضد اليمن لا تحقق لمصر هدفاً وطنياً واضحاً يتناسب مع تكلفتها، فإن تجنبها لا يعني الضعف، بل قد يكون تعبيراً عن حساب استراتيجي مسؤول. أما إذا اختارت القاهرة المشاركة، فعليها أن توضح للشعب المصري الأساس الذي استند إليه القرار، وأهدافه، وتكاليفه، وضمانات عدم تحوله إلى استنزاف طويل الأمد.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يتصدر النقاش العام:
هل ستتعامل القاهرة مع أي طلب سعودي للمشاركة في الحرب ضد اليمن باعتباره مسألة تخضع لتقدير مصري مستقل، أم ستسمح للتحالفات والضغوط بأن تتقدم على مقتضيات الأمن القومي المصري؟ وهل تستطيع مصر تحمل جبهة جديدة بينما لا تزال ملفات النيل والسودان وسيناء والاقتصاد حاضرة بكل ثقلها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستكشف ليس فقط طبيعة الموقف المصري من اليمن، بل أيضاً مدى قدرة القاهرة على الحفاظ على استقلال قرارها في منطقة تتشابك فيها المصالح والتحالفات والصراعات.
