كابوس الـ 18 مقعداً: كيف يواجه نتنياهو احتمالات السقوط والانسداد السياسي؟
حسن حردان
مع اقتراب العدّ التنازلي ليوم الاقتراع في 27 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، تعيش الأروقة السياسية في الكيان الصهيوني واحدة من أكثر مراحلها حرجاً وتوتراً. لم يعد القلق داخل ديوان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو مجرد قلق من تراجع عابر، بل تحوّل إلى حالة كابوسية حقيقية تؤكدها كافة استطلاعات الرأي الحديثة، والتي تشير إلى تآكل قوة حزب “الليكود” ليصل إلى نحو 18 ـ 20 مقعداً، لصالح صعود لافت لمعسكر التغيير والجنرالات بقيادة غادي آيزنكوت وحزب “يَشار”.
أمام هذا الانحدار النازل، تتداخل حسابات البقاء السياسي لنتنياهو مع التعقيدات الإقليمية، لتطرح علامة استفهام كبرى حول حدود قدرته على التلاعب بورقة “التصعيد الشامل” للهروب من استحقاق الاقتراع.
ورقة “التصعيد وتأجيل الانتخابات”…
خطة طوارئ أم مغامرة انتحارية؟
يتساءل الشارع السياسي “الإسرائيلي” عما إذا كان نتنياهو يملك الجرأة والآليات لإشعال مواجهة واسعة تفرض “حالة طوارئ قصوى” تؤجل الانتخابات…
الغطاء الأمني والقانوني: تتيح قوانين الطوارئ للمؤسسة السياسية والأمنية تأجيل الانتخابات تقنياً لوجستياً إذا دخلت البلاد في حرب صواريخ مفتوحة. وتعتبر هذه الورقة في ذهن نتنياهو طوق النجاة الوحيد لإزاحة موعد الحساب الانتخابي، وتأخير مواجهة نتائج تحقيقات السابع من أكتوبر/ تشرين الأول.
عقدة دونالد ترامب والخطوط الحمراء: يرتطم طموح نتنياهو بفيتو أميركي واضح؛ فالإدارة الأميركية برئاسة ترامب ترفض انجرار المنطقة إلى حرب إقليمية واسعة وشاملة قد تفرض استنزافاً أمنياً واقتصادياً لا يخدم الاستراتيجية الأميركية بالمنطقة، ولا مصلحة الحزب الجمهوري عشية الانتخابات النصفية. التمرّد الكامل على ترامب ليس خياراً متاحاً لنتنياهو، لأنّ الحرب الشاملة تتطلب غطاءً استخبارياً ولوجستياً أميركياً ذا كلفة عالية لا يطيق كيان الاحتلال تحمّله بمفرده.
الجدار الداخلي: يدرك نتنياهو أنّ افتعال مواجهة عسكرية بغرض تأجيل الانتخابات سيفجّر مواجهة عارمة مع المعارضة “الإسرائيلية” والشارع والمؤسسة العسكرية، التي تحذر من استنزاف الجيش في مغامرات لخدمة أجندات حليفة ومكاسب شخصية.
التوقعات المرجحة
للوحة الكنيست وتوازنات القوى
بناءً على نتائج الاستطلاعات الأخيرة (مثل استطلاعات القناة 12 وقناة 13 ومعاريف)، ترتسم ملامح الخريطة النيابية المقبلة دون وجود حسم مطلق لأيّ من الطرفين:
*كتلة نتنياهو (الائتلاف الحالي): تحصد ما بين 49 إلى 50 مقعداً (الليكود 18-20، شاس واليهودية التوراتية 15، الصهيونية الدينية وعظمة يهودية 13-14).
*معسكر التغيير والخصوم: يحصد ما بين 50 إلى 54 مقعداً (حزب “يشار” لآيزنكوت 20-22، تحالف “معاً” لـ بينيت 12، “الديمقراطيون الليبراليون” 8-9، و”إسرائيل بيتنا” لـ ليبرمان 9).
*القوائم العربية وحزب الاحتياط: تحصل القوائم العربية (الجبهة/ التغيير والموحدة) على حوالي 14-15 مقعداً، بالإضافة إلى أحزاب صغيرة متأرجحة كحزب “احتياط الجيش” (4 مقاعد).
من هي “بيضة القبان”
التي ستحدّد رئيس الحكومة؟
في ظلّ مأزق عدم قدرة أي كتلة على الوصول بمفردها إلى الرقم السحري (61 مقعداً)، تتوزع أدوار “بيضة القبان” بين ثلاثة أطراف رئيسية:
ـ أفيغدور ليبرمان (“إسرائيل بيتنا”): يملك المفتاح الرئيسي؛ فتحالفه مع معسكر المعارضة كفيل بإضعاف نتنياهو تماماً، لكن شرطه بعدم تشكيل حكومة تعتمد على دعم الأحزاب العربية يخلق معضلة حقيقية أمام المعارضة.
الأحزاب الحريدية (شاس ويهدوت هتوراه): في حال تلقت كتلة نتنياهو هزيمة مدوية، قد تتجه هذه الأحزاب للبراغماتية والتفاوض مع غادي آيزنكوت أو نفتالي بينيت لضمان الميزانيات والامتيازات لقواعدها، مما قد يفكك “حلف نتنياهو الحديدي”.
ـ القوائم العربية: تشكل صمام الأمان الرقمي لمعسكر آيزنكوت؛ سواء من خلال الانضمام أو الامتناع عن التصويت، برغم الحرج السياسي المتبادل بين الطرفين.
السيناريوات المرجحة
بعد إغلاق الصناديق
استناداً إلى معطيات المشهد المعقد، تتبلور ثلاثة سيناريوات للمرحلة المقبلة، مرتبة حسب درجة ترجيحها:
السيناريو الأول: الانسداد السياسي والذهاب لانتخابات جديدة (الترجيح الأكبر – 45%) تعذر وصول أيّ طرف إلى 61 مقعداً بسبب الشروط المتبادلة والفيتوات المرفوعة، مما يدخل الكيان في دوامة شلل حكومي ويفرض الذهاب إلى انتخابات مبكرة أخرى خلال أشهر، وهو وضع يستفيد منه نتنياهو للبقاء كرئيس حكومة تصريف أعمال.
السيناريو الثاني: حكومة تغيير موسعة بقيادة آيزنكوت وبينيت (الترجيح المتوسط – 35%) نجاح معسكر المعارضة في بناء شبكة أمان نيابية تضمّ ليبرمان والحريديم، أو توفير دعم غير مباشر من الأحزاب العربية لتشكيل حكومة “إنقاذ/ طوارئ” تُنهي عهد نتنياهو وتضع حداً لحالة الاستقطاب.
السيناريو الثالث: التمرد داخل “الليكود” وإزاحة نتنياهو (الترجيح الخيار المفاجئ – 20%) في حال وصول الليكود إلى القاع (18 مقعداً)، قد تشهد أروقة الحزب تموداً داخلياً يقوده قادة الصف الأول لتنحية نتنياهو ودخول حكومة وحدة مع آيزنكوت وبينيت وليبرمان دون الحاجة إلى الذهاب لانتخابات جديدة.
من هنا يقف نتنياهو في هذه الانتخابات أمام أصعب اختبار في حياته السياسية؛ فبين مناورة التصعيد العسكري المحفوفة بالرفض الأميركي والرفض الشعبي، وبين حتمية السقوط في صناديق الاقتراع، تبدو “إسرائيل” مقبلة على خريطة سياسية مشلولة تشكل فيها التحالفات الخفية شريان الحياة الوحيد لكلّ الفرقاء…
المصدر/ البناء
