27000 personnes, lyceens et syndicalistes, dans la rue a Lille pour reclamer une hausse de budget et de meilleures conditions de travail dans les etablissements

لم تكن لافتاتهم فاخرة، ولا خطاباتهم مصقولة. خرجوا من ثانوياتهم في ضواحي باريس، ثم من مدارس ليون ومرسيليا ونانت ولانس، يحملون قطعاً من الكرتون كتبوا عليها بخط اليد عبارة واحدة: “Financez l’école pas la guerre” — موّلوا المدرسة، لا الحرب.

كان ذلك منذ بداية خريف 2026. وبعد أسابيع قليلة، تحوّلت العبارة من همسة غاضبة في ساحة انتظار إلى شعار مركزي في حركة احتجاجية امتدت إلى مئات المدارس الثانوية الفرنسية، ورفعت صوت جيل كامل في وجه معادلة يرى أنها ظالمة: أن تُغدَق الأموال على الجيش، بينما تتآكل المدرسة من الداخل.

ميزانيتان… ووجهان لفرنسا

لفهم هذا الغضب، لا حاجة إلى خطاب طويل. تكفي أرقام قليلة.في عام 2026، ارتفعت ميزانية الدفاع الفرنسية إلى نحو 57.1 مليار يورو، بزيادة تناهز 6.7 مليارات عن العام السابق. ذهبت هذه الأموال إلى الذخيرة، والمسيّرات، والدفاع الفضائي، وكل ما تعتبره باريس ضرورياً لمواجهة “التهديدات المتصاعدة” في أوروبا والعالم.

وفي الجهة المقابلة، لم تتجاوز الزيادة في ميزانية التعليم 0.26 في المئة — أي شبه صفر بعد حساب التضخم. أما النفقات غير المرتبطة بالرواتب، تلك التي تُصلَح بها الأسقف، وتُجدَّد بها المعدات، وتُدفأ بها القاعات في الشتاء، فقد تراجعت بنسبة 4.5 في المئة.

الأمر لا يتوقف عند حدود الأرقام. فبحسب تقرير للجمعية الوطنية الفرنسية، انخفضت ميزانية التعليم (باستثناء المعاشات) من 65 مليار يورو في 2024 إلى 63.9 ملياراً في 2026، بتراجع حقيقي يبلغ 0.8 في المئة. وبذلك، ولأول مرة، تجاوزت ميزانية الدفاع نظيرتها في التعليم من حيث الالتزامات المالية المعتمدة.

باختصار: فرنسا تختار أن تُموّل الحرب أكثر مما تُموّل المدرسة.

من أوكرانيا إلى غزة: كيف اقتربت الحرب من الفصول؟

لم يكن ربط الطلاب بين احتجاجاتهم والحروب الدائرة في أوكرانيا وغزة ربطاً عاطفياً. كان ربطاً مالياً وسياسياً مباشراً.فمنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، جعلت باريس من “الجهد الحربي” ذريعة لتبرير كل زيادة في الإنفاق العسكري.

وفي ظل الحرب على غزة، وجد الشباب الفرنسي أنفسهم أمام سؤال أخلاقي حاد: كيف نبني مستقبلاً في صفوف نصفها متهالك، بينما تُموَّل آلات الموت شرقاً وجنوباً؟

لم يتوقف الأمر عند حدود الشعار. خرجت تحركات طلابية في جامعات عدة تطالب بقطع التعاون مع شركات الأسلحة الإسرائيلية، مثل Safran وThales وDassault، متهمة مؤسساتها الأكاديمية بأنها تحوّلت إلى مصنع لتخريج مهندسي القتل. وهكذا اختلط الشعار الاقتصادي — “موّلوا المدرسة” — بالشعار الأخلاقي — “لا للحرب” — في نسيج احتجاجي واحد.

حكومة بين مطرقتين

في قصر ماتينيون، كان رئيس الوزراء يتحرك على حبل مشدود. من جهة، أدان أعمال العنف، ونفى وجود “قمع بوليسي”، واتهم اليسار الراديكالي بمحاولة “إرباك الدولة” قبل الانتخابات الرئاسية. ومن جهة أخرى، اضطر إلى تعليق الدروس في نهاية أسبوع كامل، لتنظيم ما سماه “وقتاً للحوار الديمقراطي الداخلي” — وكأنه اعتراف ضمني بأن الشارع المدرسي لم يعد مكاناً للسبورات فقط.

لكن الحوار، مهما طال، لا يبني أسقفاً ولا يدفع رواتب. فقد أقرّ وزير التعليم بإصابة نحو 170 تلميذاً و65 من الكادر التعليمي على الأقل خلال الاحتجاجات، بينما تتطلب مطالب التلاميذ — زيادة المعلمين، ترميم المباني، تقليص عدد الطلاب في الصف الواحد — عشرات الملايين من اليوروات، لا عشرات الدقائق من المباحثات.

الأصعب من ذلك أن ميزانية الدولة ليست كتلة قابلة للعجن. كل يورو يُوجَّه إلى الدفاع هو يورو مقصوص من مكان آخر. وكلما ارتفع منسوب القلق الأمني في أوروبا، كلما ضاق الخناق على الخدمات العامة. وهكذا وجدت الحكومة الفرنسية نفسها محصورة بين التزاماتها تجاه حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، وبين غضب جيل يرفض أن يُقدَّم قرباناً على مذبح جيوسياسة لم يخترها.

جملة تختصر كل شيء

في أحد شوارع باريس، رفع طالب لافتة كتب عليها: “حين ينهار سقف مدرستك، لا يمكنك أن تواصل تمويل الجيش.”ليست العبارة خطاباً سياسياً مصقولاً، بل وصف لحالة. وربما لهذا السبب بالذات، استمرت الاحتجاجات أكثر من أسبوعين، وامتدت إلى مئات المدارس، ورفعت لافتة واحدة لم تكن تحتاج إلى ترجمة.

قد تهدأ الاحتجاجات. قد يعود التلاميذ إلى صفوفهم، وتُعقد جلسات حوار، وتُقدَّم وعود. لكن السؤال الذي طرحته تلك اللافتة على أرصفة باريس سيظل معلقاً فوق الجمهورية الفرنسية كلها: أيّ مستقبل تختار فرنسا: أن تبني مدارسها، أم أن تحفر خنادقها؟