بعد أسبوعين من احتجاجات تلاميذ المعاهد، وجدت حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون نفسها عاجزة عن احتواء الحركة، التي تحولت من مطالب تعليمية محددة إلى أزمة سياسية شاملة كشفت عمق الانقسام في المشهد الفرنسي. وبينما لجأت الحكومة إلى القوة الأمنية السياسية، تصاعدت الاحتجاجات لتشمل طلبة الجامعات وموظفي القطاع العام، مما يهدد بتحولها إلى “احتراق وطني” قبل أشهر من الانتخابات الرئاسية

1. تصعيد ميداني خارج السيطرة

بلغت حصيلة الاحتجاجات أرقاماً غير مسبوقة. وفقاً لوزارة الداخلية الفرنسية، تم توقيف 625 شخصاً في يوم واحد (30 سبتمبر)، و1747 شخصاً يوم 2 أكتوبر، ليصل الإجمالي إلى أكثر من 1800 حالة إيداع في الحجز خلال أسبوع واحد فقط، 90% منهم قاصرون.

كما أعلن وزير الداخلية لوران نونييز أن أكثر من 300 شرطي ودركي أُصيبوا، واصفاً ما يجري بأنه “عنف جامح”.على الجانب الآخر، أفادت وزارة التربية الوطنية بإصابة 119 تلميذاً وعاملاً منذ بداية الاحتجاجات، بينهم 34 من موظفي الوزارة.

وقال الوزير إدوار جوفريه إن 24 مؤسسة تعليمية تعرضت للحرق والتخريب. وفي مدينة تور، فقد شاب بصره في عينه اليمنى إثر اشتباكات في 30 سبتمبر.

أما الأثر على الجهاز التعليمي، فوفقاً لوزير التعليم العالي فيليب بابتيست، تأثرت 735 مدرسة ثانوية من أصل 3700 في 2 أكتوبر، بينما تحدثت منظمة “الاتحاد الطلابي” عن إغلاق حوالى 30 إلى 40 موقعاً جامعياً في باريس وليون وستراسبورغ ومرسيليا وبواتييه.

2. اتهامات سياسية بدل الحلول: “مناورة من حزب فرنسا الأبية”

بدلاً من فتح حوار جدي، اختارت الحكومة الفرنسية توجيه أصابع الاتهام إلى اليسار الراديكالي. أعلن مقر رئاسة الوزراء (ماتينيون) بعد اجتماع خلية الأزمة في 30 سبتمبر أن أجهزة الاستخبارات الفرنسية تعتبر حركة إغلاق المعاهد “مناورة منظمة من قبل حزب فرنسا الأبية وأذرعها من أقصى اليسار”، وأن الحركة “انحرفت نحو عنف حضري”.

وقد ردّ المنسق الوطني لحزب “فرنسا الأبية” مانويل بومبار على هذه الاتهامات قائلاً: “أدعو الحكومة إلى عدم الغرق في نظرية المؤامرة وفي معاملة التلاميذ كأطفال. هذه حركة عفوية وُلدت من الغضب أمام ظروف تعليمية غير لائقة على الإطلاق… حان الوقت لأن يتخلى رئيس الوزراء عن استراتيجية التلطيخ والاستفزاز”.ولم تتوقف الاتهامات عند هذا الحد. دعا برونو روتايو، المرشح الرئاسي عن الحزب الجمهوري، إلى “حظر حزب فرنسا الأبية”.

بينما اعتبر جان-لوك ميلينشون، زعيم “فرنسا الأبية”، أن رئيس الوزراء “أمر بقمع الحركة مع طعم عنصري واضح”.كما انتقد أوليفييه فور، زعيم الحزب الاشتراكي، “عدم مسؤولية الحكومة”، بينما قالت ماتيلد بانوت، رئيسة كتلة “فرنسا الأبية” في الجمعية الوطنية، إن “الشباب بأكمله يوجه رسالة إلى ماكرون وحكومته: المساواة، تعليم كريم، ونهاية عنف الشرطة ليست قابلة للتفاوض!”.

3. اعتراف ضمني بالفشل:

“أخاف من احتراق وطني”في اعتراف غير معتاد بالعجز، قال وزير التعليم العالي فيليب بابتيست صراحة إنه “يخاف” من احتراق وطني خلال “الفصل الثالث” من الاحتجاجات المقرر في 6 أكتوبر. وأضاف أن مشاهد العنف “بشعة ومقلقة”.

في المقابل، رفض وزير الداخلية لوران نونييز اتهامات “القمع المفرط”، معتبراً أنها “خطيرة ولا أساس لها”، ومؤكداً أن قوات الأمن “لا تقمع الشباب بل تحمي وتؤطر التلاميذ والطلبة الذين يريدون حمل مطالبهم سلمياً”.

لكن الموقف الحكومي بدا مرتبكاً ومتناقضاً. فبينما أعلن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عن “خطة عمل” تتضمن فتح منصة تشاور إلكترونية وضمان استئناف الدروس حيثما أمكن، أعلن وزير التربية الوطنية في الوقت ذاته أن 400 إلى 500 مدرسة ثانوية ستُغلق كلياً أو جزئياً في 5 أكتوبر بسبب “عدم توفر الظروف الأمنية”. كما وجّه لوكورنو وزراءه بإلغاء تحركاتهم في الأيام المقبلة لتركيز جهود المحافظين على إدارة الحركة.

4.الجذور العميقة: أزمة اقتصادية واجتماعية

لم تكن هذه الاحتجاجات وليدة اللحظة. فمنذ وصول ماكرون إلى السلطة، واجهت حكوماته المتعاقبة اتهامات متكررة بالانفصال عن الواقع الاجتماعي. وقد ساهمت حكومة الأقلية التي نتجت عن حل الجمعية الوطنية في يونيو 2024 في تعميق العجز التشريعي، حيث تحول المشهد إلى “ثلاثة تكتلات متصارعة” (الائتلاف الرئاسي، الجبهة الشعبية اليسارية، التجمع الوطني اليميني المتطرف) ترفض أي توافق.

وقد سقطت ثلاث حكومات في أقل من عام: حكومة بارنييه (ديسمبر 2024)، ثم حكومة بايرو، ثم حكومة لوكورنو الذي استقال في أكتوبر 2025 بعد 27 يوماً فقط من توليه المنصب، ليصبح أقصر رئيس وزراء في تاريخ الجمهورية الخامسة.

اقتصادياً، تعاني فرنسا من عجز في الميزانية يتجاوز 5% من الناتج المحلي الإجمالي، ودين عام يناهز 115%، في وقت تسعى فيه الحكومة لتمرير ميزانية 2027 تتضمن توفير 54 مليار يورو، من بينها تجميد نقاط رواتب الموظفين (أي خفض فعلي للرواتب) في ظل تضخم متراكم.وفي هذا السياق، كتبت صحيفة “لوجورنال دو ديمانش” في أكتوبر الماضي أن “الماكرونية تصل إلى نهايتها في العاصفة”، وأن حصيلة عشر سنوات من حكم ماكرون “تُلخص كل الإخفاقات”: الاقتصاد “الأنيمي” أصبح في حالة ركود، والمجتمع “الممزق والعنيف” أصبح “أقل تماسكاً”، وفرنسا “أكثر تهميشاً على الساحة الدولية، أسيرة تدهور اقتصادي وسيادي وتعليمي متعدد”.

ماذا بعد؟

مع استمرار الاحتجاجات ودعوة النقابات والتلاميذ إلى “الفصل الثالث” في 6 أكتوبر، تجد الحكومة نفسها أمام خيارين: إما تقديم تنازلات حقيقية تعيد الثقة، وإما التمسك بنهج القمع والاتهامات الذي يهدد بتوسيع رقعة الغضب.

ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع فرنسا أن تستمع إلى صوت شبابها قبل أن يتحول هذا الصوت إلى زلزال سياسي في الانتخابات الرئاسية المقبلة؟ فاستطلاعات الرأي تشير إلى أن جان-لوك ميلينشون يحظى بدعم نحو 40% بين الشباب الفرنسي (18-24 سنة)، وهي فئة تشكل رقماً حاسماً في أي معادلة انتخابية.