معركة استباقية لإجهاض الاستقلال الوطني
لا يمكن قراءة الاستحقاق الانتخابي في البرازيل باعتباره مجرد تنافس داخلي على السلطة، أو اختزاله في صراع تقليدي بين اليمين واليسار. فالبرازيل، بحجمها الجغرافي والاقتصادي والديموغرافي وموقعها الاستراتيجي وثقلها في أمريكا اللاتينية، تمثل إحدى أهم ساحات الصراع على طبيعة النظام الدولي المقبل، وعلى حدود قدرة دول الجنوب على بناء سياسات مستقلة عن مراكز القرار الغربية.
من هذا المنظور، تكتسب الانتخابات البرازيلية بعداً يتجاوز صناديق الاقتراع نفسها، لتصبح جزءاً من معركة أوسع حول السيادة الوطنية والاستقلال السياسي والاقتصادي. فواشنطن، التي تنظر تاريخياً إلى أمريكا اللاتينية باعتبارها مجالاً حيوياً لنفوذها، لا تنظر بارتياح إلى بروز مشاريع وطنية تسعى إلى تنويع علاقاتها الدولية، وتعزيز استقلال قرارها، والانفتاح على قوى دولية صاعدة، ولا سيما الصين وروسيا ودول الجنوب العالمي.
وهنا تكمن أهمية البرازيل: فالمعركة عليها ليست معركة حكومة فحسب، بل معركة على اتجاه القارة ومستقبل استقلال قرارها.
خريطة التطويق: الضغط على مراكز الاستقلال في القارة
تتحرك السياسة الأمريكية في أمريكا اللاتينية ضمن شبكة معقدة من الأدوات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والأمنية والإعلامية. ولا يعني ذلك أن كل تطور سياسي في القارة يمكن اختزاله في مؤامرة خارجية، أو أن القوى المحلية لا تمتلك مصالحها وحساباتها الخاصة؛ بل إن جوهر المسألة يكمن في قدرة القوى الكبرى على استثمار الانقسامات الداخلية وتوجيهها بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
ومن هنا يمكن فهم سلسلة الضغوط التي تعرضت لها دول سعت إلى انتهاج سياسات أكثر استقلالاً عن واشنطن.
في فنزويلا، تداخلت العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية ومحاولات عزل الحكومة مع صراع أوسع على موارد البلاد وموقعها الجيوسياسي. وفي كولومبيا، ظل الصراع على طبيعة العلاقة مع واشنطن وعلى خيارات السياسة الخارجية والاقتصاد والأمن جزءاً من المشهد السياسي الداخلي. أما البرازيل، فتكتسب أهمية مضاعفة بسبب قدرتها على التأثير في محيطها الإقليمي وعلى صياغة توازنات جديدة داخل القارة.
وهكذا، لا تبدو المسألة مجرد ملفات منفصلة، بل تتقاطع ضمن سؤال استراتيجي واحد:
هل تبقى أمريكا اللاتينية مجالاً حصرياً للنفوذ الأمريكي، أم تتحول إلى فضاء متعدد العلاقات والخيارات، يمتلك قراره المستقل في تحديد شراكاته ومصالحه؟
الأمن القومي الأمريكي بوصفه إطاراً لإدارة النفوذ
لطالما شكّل مفهوم «الأمن القومي» أحد الأطر الأساسية التي استخدمتها الولايات المتحدة لتبرير حضورها السياسي والأمني الواسع في محيطها الجغرافي. ومع تطور النظام الدولي، اتسعت أدوات هذا النفوذ لتشمل العقوبات الاقتصادية، والضغط الدبلوماسي، والتأثير الإعلامي، وشبكات المصالح الاقتصادية، والعلاقات العسكرية والأمنية، فضلاً عن أدوات القوة الناعمة.
وتزداد حساسية هذا المسار في مرحلة تتراجع فيها قدرة النظام الدولي الأحادي على فرض قواعده بصورة مطلقة، بالتزامن مع صعود قوى دولية جديدة وتنامي دور دول الجنوب العالمي.
فكل دولة لاتينية توسّع هامش قرارها، وتفتح قنوات استراتيجية مع الصين أو روسيا، أو تدفع باتجاه تكامل إقليمي أكثر استقلالاً، يمكن أن تتحول في الحسابات الجيوسياسية الأمريكية إلى عامل يؤثر في توازنات القارة بأكملها.
لذلك، فإن الصراع على البرازيل لا ينفصل عن الصراع الأوسع على من يحدد قواعد الحركة الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية في نصف الكرة الغربي.
اليمين المحلي وشبكات المصالح العابرة للحدود
لا تقوم الهيمنة الخارجية على أدواتها المباشرة وحدها. فالنفوذ يصبح أكثر فاعلية عندما يجد داخل الدولة قوى سياسية واقتصادية وإعلامية قادرة على الدفاع عن مصالح متقاطعة معه.
وهنا تبرز أهمية بعض قطاعات اليمين البرازيلي، ليس باعتبارها كتلة واحدة متجانسة، ولا باعتبار كل تيار يميني عميلاً للخارج، بل باعتبار أن جزءاً من النخب السياسية والاقتصادية يمكن أن يجد في الارتباط بالمصالح الرأسمالية العابرة للحدود وبشبكات النفوذ الغربية سنداً لتعزيز موقعه الداخلي.
وتتحول الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والاستقطابات السياسية، في هذه الحالة، إلى أدوات ضغط على أي مشروع وطني يحاول إعادة توزيع الموارد أو توسيع الاستقلال الاقتصادي أو إعادة تعريف موقع البرازيل في النظام الدولي.
إن أخطر ما في هذه المعادلة ليس التدخل الخارجي وحده، بل تحويل الانقسام الداخلي إلى بوابة لإعادة إنتاج التبعية.
البرازيل: قلب المعادلة اللاتينية
تكمن خصوصية البرازيل في أنها ليست دولة هامشية يمكن احتواء خياراتها بسهولة. إنها قوة كبرى في أمريكا اللاتينية، وعضو مؤثر في مجموعة بريكس، وتمتلك موارد طبيعية هائلة وقاعدة صناعية وزراعية واسعة، فضلاً عن سوق داخلية ضخمة وقدرات بشرية وعلمية مهمة.
كما أن موقعها في أمريكا الجنوبية يجعل توجهاتها السياسية والاقتصادية ذات انعكاسات تتجاوز حدودها الوطنية.
ومن هنا، فإن نجاح أي مشروع برازيلي يسعى إلى تعزيز استقلال القرار الوطني، وتوسيع العلاقات مع القوى الدولية غير الغربية، ودعم التكامل اللاتيني، يمكن أن يخلق أثراً متسلسلاً في دول القارة الأخرى.
وهذا تحديداً ما يجعل الصراع على البرازيل صراعاً على النموذج، لا على السلطة وحدها.
الانتخابات ليست نهاية المعركة
حتى إذا نجحت القوى الوطنية والتقدمية في الحفاظ على حضورها السياسي، فإن التحدي لا ينتهي عند صناديق الاقتراع.
فالقوة السياسية لا تقاس بالرئاسة وحدها، وإنما بمدى القدرة على التأثير في البرلمان، والمؤسسات الاقتصادية، والإعلام، ومراكز القرار، وشبكات المصالح الاجتماعية والمالية. ومن هنا، فإن أي حكومة تحمل مشروعاً سيادياً قد تجد نفسها أمام مؤسسات قادرة على تعطيل جزء من سياساتها أو إفراغها من مضمونها أو دفعها إلى تسويات تحد من قدرتها على تنفيذ برنامجها.
وهذا هو الشكل الأكثر تعقيداً من أشكال الصراع السياسي المعاصر: أن تفوز في الانتخابات، ولكن تجد أن أدوات تنفيذ مشروعك الوطني موزعة بين قوى لا تشاركك الاتجاه نفسه.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية لا تتوقف عند سؤال: من يفوز بالرئاسة؟
بل تمتد إلى سؤال أكثر عمقاً:
من يملك القدرة الفعلية على صياغة القرار الوطني وتحديد اتجاه الدولة؟
معركة السيادة في زمن التحول الدولي
ما يجري في البرازيل يجب أن يُقرأ في سياق التحول الكبير الذي يشهده النظام الدولي. فالعالم يتجه تدريجياً نحو تعددية أكبر في مراكز القوة، فيما تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على موقعها القيادي وعلى شبكات نفوذها التقليدية.
وفي هذا السياق، تتحول أمريكا اللاتينية إلى ساحة أساسية في الصراع على مستقبل التعددية القطبية. فالقارة تمتلك موارد استراتيجية هائلة، وموقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، وقدرات زراعية وطاقة ومعادن نادرة وأسواقاً واسعة، إضافة إلى قربها الجغرافي من الولايات المتحدة.
والصراع عليها، بالتالي، ليس أيديولوجياً فقط، بل اقتصادي وجيوسياسي واستراتيجي في آن واحد.
كلما اتسعت قدرة دول القارة على تنويع علاقاتها الدولية، وتطوير التكامل الإقليمي، واستثمار مواردها لمصلحة شعوبها، وتحرير قرارها من الضغوط الخارجية، تقلصت قدرة أي قوة واحدة على التعامل معها باعتبارها مجالاً حصرياً لنفوذها.
الوعي الشعبي هو خط الدفاع الأول
في نهاية المطاف، لا يمكن لأي مشروع سيادي أن يستمر من دون قاعدة اجتماعية واعية بطبيعة الصراع ومصالحها الوطنية. فالتدخل الخارجي يصبح أكثر فاعلية عندما تنقسم المجتمعات على أسس حادة، وتتحول السياسة إلى صراع هويات، وتُختزل الدولة في تنافس انتخابي قصير المدى، بينما تغيب الأسئلة الكبرى المتعلقة بالاستقلال الاقتصادي والسيادة السياسية وموقع الدولة في النظام الدولي.
ومن هنا، فإن المعركة في البرازيل، كما في بقية أمريكا اللاتينية، ليست معركة انتخابية عابرة. إنها جزء من صراع أوسع بين إرادة الاستقلال والسيادة من جهة، ومنظومات النفوذ والتبعية من جهة أخرى.
ولا تعني السيادة في القرن الحادي والعشرين الانغلاق أو قطع العلاقات مع العالم، بل تعني امتلاك القدرة على اختيار العلاقات والشراكات وفقاً للمصلحة الوطنية، وعدم تحويل الدولة إلى تابع في منظومة يحدد الآخرون قواعدها وأولوياتها.
إن أمريكا اللاتينية تقف أمام لحظة تاريخية فارقة: فإما أن تبقى رهينة لمعادلات النفوذ التي صاغت تاريخها الحديث، وإما أن تستثمر التحول الدولي الجاري لبناء مساحة أوسع من الاستقلال والتكامل والتعددية.
وفي هذه المعركة، ستبقى البرازيل واحدة من أهم ميادين الاختبار.
فالمسألة في جوهرها ليست من يحكم البرازيل فحسب، بل من يملك قرارها؛ وليست من ينتصر في الانتخابات فقط، بل أي اتجاه تاريخي سينتصر: اتجاه التبعية، أم اتجاه السيادة والاستقلال.
د. نبيلة عفيف غصن
