تفكيك المفاهيم وسقوط الحسابات الإمبريالية
شهدت السنوات والشهور الأخيرة تطورات متسارعة أعادت رسم الخرائط الجيوسياسية والاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، وكان اليمن في صلب هذه التحولات الكبرى. لقد انطلقت الاستراتيجيات الغربية والأمريكية، ومعها دوائر القرار في التحالفات الإقليمية المناوئة، من رهانات مسبقة ترتكز على إمكانية تطويق الحالة اليمنية، أو ترويض إرادتها السياسية والعسكرية، أو استخدام أدوات الحصار والتجويع والعدوان لفرض تسويات تمس بالسيادة الوطنية والاستقلالية الكاملة للقرارات السيادية في صنعاء. غير أن السقوط المدوي لهذه الرهانات بات حقيقة ساطعة لا يمكن تجاهلها، مما يعكس فهماً خاطئاً لطبيعة البنية الاجتماعية والسياسية والعقائدية للمجتمع اليمني وقدرته الفائقة على تحويل التحديات والحروب الطويلة إلى فرصة استراتيجية لتثبيت معادلات قوة جديدة.
سقوط أوهام الحسم العسكري والاحتواء الغربي
لقد توهمت الدوائر الاستخباراتية والعسكرية الغربية، لاسيما الأمريكية والبريطانية، أن الضربات الجوية المكثفة والتحالفات البحرية المعلنة وغير المعلنة قادرة على كسر الإرادة اليمنية أو تقويض قدراتها الصاروخية ومسيراتها المتقدمة. واعتبرت هذه الدوائر أن حماية الملاحة الإسرائيلية أو محاولة تأمين البحر الأحمر يمكن أن تتم عبر فرض طوق عسكري هجومي ودفاعي متكامل. إلا أن الواقع ميدانياً أثبت عقم هذه الخيارات الاستراتيجية؛ فلم تنجح الترسانة التكنولوجية العسكرية المتقدمة في ردع العمليات اليمنية التي استهدفت بعمق خطوط الإمداد والمصالح المرتبطة بالكيان الغاصب نصرةً لغزة وفلسطين. إن إخفاق العدوان العسكري المتكرر في تحقيق أهدافه أدى إلى حالة من التخبط الاستراتيجي الغربي، حيث اصطدمت الغطرسة العسكرية بصخرة الصمود والجاهزية القتالية العالية والقدرة على التكيف مع مختلف سيناريوهات التصعيد.
”إن سقوط الرهان اليمني لا يمثل مجرد إخفاق تكتيكي لعمليات التحالف الغربي أو الإقليمي فحسب، بل هو سقوط جذري لمنظومة الأوهام الاستراتيجية التي طالما راهنت على إخضاع الشعوب الحرة عبر سياسات القوة المطلقة والحروب الاقتصادية.”
اليمن كقوة إقليمية صاعدة ومعادلات البحر الأحمر
لم يعد اليمن مجرد ساحة صراع داخلي كما أرادت له دوائر الوصاية الدولية والإقليمية لسنوات طويلة، بل ارتقى بفضل صلابته السياسية والميدانية إلى مصاف القوى الإقليمية الفاعلة التي تفرض كلمتها في معادلات الأمن القومي الإقليمي والدولي. لقد أثبتت المعركة الدائرة في البحر الأحمر وباب المندب أن السيطرة على الممرات المائية الحيوية لم تعد حكراً على الأساطيل الغربية الكبرى، بل باتت خاضعة لمعادلات الردع التوازني التي تفرضها القوى المقاومة الحرة. هذا التحول النوعي أربك الحسابات الاقتصادية والتجارية العالمية، وأكد بما لا يدع مجالاً للشك أن أمن المنطقة لا يمكن أن يستقيم بمعزل عن احترام سيادة شعوبها وحقوقها المشروعة، وأن أي محاولة لتجاوز الدور اليمني أو فرض ترتيبات أمنية أحادية الجانب محكومة مسبقاً بالفشل الذرع.
التداعيات الإقليمية والدولية والانتقال نحو تعدد الأقطاب
تتجاوز ارتدادات سقوط الرهانات الغربية الحدود الجغرافية لليمن لتلقي بظلالها على المشهد الدولي العام، في ظل المخاض العسير الذي يمر به النظام العالمي نحو التعددية القطبية. فالصمود اليمني والقدرة على فرض قواعد اشتباك محكمة في أحد أهم شرايين التجارة العالمية يتزامن مع تراجع الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة الأمريكية. إن ترابط الساحات ضمن محور المقاومة، والانخراط الواعي في هندسة التحالفات الجديدة والانفتاح على مسارات التكامل الإقليمي والدولي (مثل التفاعل مع قضايا البريكس والأمن البحري المستقل)، يمنح القرار اليمني عمقاً استراتيجياً جديداً. هذا العمق يجعل من المستحيل على القوى الاستعمارية العودة إلى الوراء أو فرض شروطها القديمة في الشرق الأوسط.
مستقبل المنطقة على ضوء الحقائق الجديدة
في الختام، يثبت المشهد اليمني المتجدد أن الرهانات الخاطئة على كسر الإرادات الوطنية والتحكم بمقدرات الشعوب قد سقطت إلى غير رجعة. إن اليمن، بسلطته وشعبه وجيشه وقواه الحية، قد حفر مكانه بالدم والصبر والموقف الصلب في صدارة المشهد الاستراتيجي الإقليمي. وبات واضحاً لكل المراقبين أن أي مقاربة مستقبلية لاستقرار المنطقة يجب أن تنطلق من الاعتراف الكامل بهذه الحقائق الجديدة، وأن زمن الوصاية والاستفراد قد ولّى بلا رجعة، لتشرق مرحلة جديدة ترسم ملامحها إرادة الشعوب الحرة وحدها.
د. نبيلة عفيف غصن
